لماذا .... تتعثر التنمية ؟؟؟

لماذا .... تتعثر التنمية ؟؟؟

د. لمياء عاصي

السؤال الذي شغل بال الكثيرين هو، لماذا تحقق بعض الدول نهوضاً اقتصادياً وتنمية شاملة ...  بينما تتعثر دول أخرى  في مسيرتها التنموية برغم تشابهها في عدد السكان أو بالمساحة  ؟؟  ويمكن أن يعزو البعض  النهوض  الاقتصادي  إلى ارتفاع مستوى التحصيل العلمي  للسكان , أو إلى وجود  قضاء نزيه وكفوء , بينما يرجعه البعض الآخر ,  للظروف السياسية , او توفر الموارد الطبيعية , وبرغم اختلاف وجهات النظر حول الأسباب المحفزة  للتنمية , يتفق الجميع حول عاملين أساسيين , وهما :  العامل الأول : هو وجود إدارة عليا كفوءة تمتلك رؤية شاملة , وتقوم بتنسيق الجهود والإمكانيات الوطنية في إطار تحقيق التنمية كهدف أساسي , العامل الثاني : توفر السيولة المالية وكفاءة ونزاهة إدارتها  , في هذا السياق , قال الاقتصادي جوزيف شومبيتر ,  في كتابه  "نظرية  التنمية " : ( بأن تحقيق التنمية  ممكن بشرط وجود السوق المالي , الذي يمكن الوصول إليه  بكلفة معقولة ) ..   فماذا عن الوضع  المالي والاقتصادي في سورية ؟؟
اتبعت الحكومة في السنوات الأولى للحرب في سورية ومنذ عام 2012 , سياسة نقدية انكماشية وأوقفت منح القروض المصرفية بشكل كامل، السبب الذي أعلنته الحكومة حينها، أنها تقوم بمنع القروض الشخصية والسكنية والصناعية بهدف تجفيف السيولة النقدية، خوفا من استخدام مبالغ القروض في المضاربة على الليرة السورية وشراء الدولار، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار وزيادة سعره بالنسبة لليرة السورية، ... والأسئلة المطروحة هنا: هل كان قرار وقف القروض صائبا حينها؟؟؟  هل أدى القرار إلى غايته ...وساهم في  استقرار الليرة  السورية ؟؟؟   ألا يوجد حلول أخرى .... لمنع  استخدام القروض  في عمليات المضاربة على سعر الصرف   ؟؟   .
سورية في مرحلة ما بعد الحرب  , تحتاج إلى إعادة تشغيل المعامل  و إقامة مشاريع جديدة , لذلك لا بد من مساهمة  المصارف الفعالة في دفع عجلة الإنتاج  , عبر التمويل وإعطاء القروض والتسهيلات الإئتمانية اللازمة لهذه المشروعات , وحتى تصب عملية التمويل فعلا في مصلحة التنمية ودخول مرحلة حقيقية من  تعزيز التعافي الاقتصادي ,, لا بد للبنوك  من انتهاج  سياسة موحدة , تحدد الأولويات والحصص لكل نوع من القروض  ( الانتاجية  أو الصناعية  أو الخدمية  , المشاريع الصغيرة ,  الشخصية , الاستهلاكية )  , وإعطاء الأولوية للقروض الإنتاجية ,  بالرغم مما قد يسببه التوسع في الاقراض لشراء الآلات أو المواد الأولية من زيادة في الطلب على الدولار , ولكن هذا التأثير التضخمي سيحدث  لفترة محددة .
لا بد من  رفع كفاءة  عملية الإقراض في البنوك , حتى تكون مساهمة المصارف فعالة في خفض معدل البطالة والحد من الفقر  كأهداف رئيسية وخطوات أولية في مسيرة التنمية , وأخذ الملاحظات التالية  بعين الإعتبار  :
1.    حتى يزيد البنك قدرته وكفاءته في توظيف السيولة النقدية التي بحوزته , يجب أن يعطي  القروض بشكل خط ائتماني (على دفعات ) , يمكن أن يستخدم لتسديد فواتير  شراء الآلات أو المواد الأولية , أو غيرها من مستلزمات الإنتاج , لا أن يعطى القرض كمبلغ مالي مرة واحدة , يكون للمقترض الحرية الكاملة  في استخدامه .  
2.    المشاريع الصغيرة والمتوسطة  , يجب أن تحوز على نسبة ملزمة للبنوك من القروض  , وتقوم المصارف العامة أو الخاصة بتحديد نسبة معينة من المبلغ الكلي للمال  المخصص للإئتمان لمنحها لتلك المشاريع  وبسعر فائدة أقل من القروض العادية , وإيجاد الحلول المقبولة  للضمانات المطلوبة للقروض التي ما تزال أكبر مشكلة تواجه  المشاريع أو الشركات الصغيرة التي لا تملك العقارات التي يقبلها البنك كضمانات للقروض .
3.    القروض التي تمنح لغايات استهلاكية  ( مثل قرض السيارة والقروض الشخصية  ... ) ومع أهميتها  ولكن محدودية المستفيدين من هذه القروض يجعلنا  لا نضعها  في أعلى سلم الأولويات , بالرغم أنها قد  تساهم في زيادة الطلب المحلي , وبالتالي تؤدي إلى النمو الاقتصادي بشكل غير مباشر .
تعاني المصارف والمؤسسات المالية من صعوبات كثيرة في عملها، يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
أولاً: تدخل الحكومة في القطاع العام المصرفي بما يتماشى مع السياسات أو القرارات الحكومية، ولو بشكل يتناقض مع الأسس المالية والموضوعية التي تحكم عملها، إضافة لتعيين مدراء المصارف (تعييناً حكومياً) الذي قد يعتمد غير أسس الكفاءة والخبرة.
ثانياً: القطاع المصرفي السوري اليوم، مازال يفتقد وجود هيئة أو مكتب لديه المعلومات الكاملة للسجل الإئتماني للمقترض الفرد أو المؤسسة، أو ما يسمى " المكتب الائتماني " أو الـ credit bureau  , ليستطيع إعطاء تقرير كامل عن تاريخ المقترض والالتزامات المالية التي عليه , أي أنه يقوم بتقييم حالة المقترض المالية .
ثالثاً: إن السبب المباشر للقروض المتعثرة، هو الفساد والمبالغة بتقدير قيمة الضمانات العقارية، والبنك يكون له حق التصرف أو بيع الضمانات عندما يمتنع المقترض عن السداد، وبما أن الضمانات أقل من مبلغ القرض، فإن ذلك يضعف موقف البنك وقدرته على استئناف عملية الإقراض والمساهمة الفعالة بتحقيق التنمية الاقتصادية.
 أخيراً، إن القطاع المصرفي في سورية مطلوب منه مهمة صعبة ومحفوفة بالمخاطر، لتمويل إعادة المعامل والعمليات الإنتاجية، ومع ذلك فإن إداراته مقيدة اليدين، بكثير من المرجعيات الفنية والإدارية والتدخلات الحكومية، وبالرغم من سياسات التحوط لدى كل بنك عام أو خاص، لتخفيف المخاطر والخسائر التي يمكن أن يمنى بها لأسباب مختلفة، يبقى السؤال الأخير، هل يمكن للمصارف أن تتحوط وتؤمن نفسها ضد الفساد والاستغلال للمال العام ...؟؟؟

 

 

إضافة تعليق