طريق إجباري  .....

طريق إجباري .....


د.لمياء عاصي
بات المواطن السوري يعيش في دوامة الأزمات بدءا من الكهرباء والغاز المنزلي وصولا إلى أسعار السلع الغذائية ,  مما لا شك فيه أن كثيرا من الصعوبات المعيشية تفاقمت بشكل كبير  مع  بدايات  الحرب سنة 2011 , اليوم الراتب  الشهري لأغلب موظفي الدولة يكافئ أقل من غرام ذهب  عيار 21 , وهذا  يعكس تدني كبير في قيمة الليرة السورية ,  السؤال الذي يخطر ببال كل السوريين ... ماذا حدث ??.... ماهي معضلة الليرة السورية؟؟ لماذا انخفضت قيمتها إلى هذا الحد؟؟؟  خصوصا مع الحلول العبقرية التي تفتقت عنها قريحة بعض المسؤولين بالنسبة لتوزيع الخبز والغاز المنزلي الذي دخل في دائرة الندرة.
وبغض النظر عن التصريحات الحكومية التي تلقي باللائمة على الحرب، وتعتبرها من أهم العوامل المسببة لهذا الوضع الاقتصادي... صحيح , أن الحرب مسؤولة إلى حد ما عن هذا الوضع الاقتصادي الصعب ، ولكن يبقى السؤال الأهم هو كيف الخروج من هذا الواقع ؟؟؟؟  
 وحسب كينز الاقتصادي البريطاني , فإنه في الأزمات الاقتصادية لابد من قيام الدولة بالتدخل لإنقاذ  الشركات والمشاريع التي توقفت عن طريق زيادة الانفاق العام , وخلق وظائف جديدة ومكافحة البطالة حتى لو كانت تلك الوظائف وهمية ,الأمر الذي يؤدي إلى رفع اجمالي الاستهلاك وبالتالي لتحريك الإنتاج , إذا,  للخروج من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة, لا بد من زيادة الإنفاق العام  لإعادة دوران العجلة الاقتصادية وبث الروح في مختلف القطاعات  الإنتاجية والخدمية , ولا أدل على ذلك من حزم التحفيز الاقتصادية التي تقرها الحكومات في الأزمات الاقتصادية , بغية التدخل لوقف الركود الاقتصادي وتحريك الاقتصاد ,  من نافل القول, أن الخزينة العامة عندما تكون شبه خاوية, فإن الدولة غير قادرة على زيادة  الإنفاق العام.
الحل يبدأ بإعادة هيكلة الإيرادات العامة لرفد الخزينة العامة بموارد جديدة، كشرط لازم لتعزيز قدرة الدولة على التدخل في الحياة الاقتصادية سواء على مستوى الأفراد أو المشاريع الصغيرة والمتوسطة ، وبالسؤال عن إمكانية ترميم وزيادة الإيرادات العامة للدولة في ظل الظروف الحالية من تداعيات الحرب والعقوبات الأمريكية والغربية , تأتي الإجابة , بأنه طريق إجباري ووحيد إذا كانت سورية تريد الخروج من أزمتها الحالية ووقف التدهور في قيمة عملتها الوطنية .
في هذا السياق, لا بد من القول أن الحلول الحكومية المرتكزة على  تمويل من البنك المركزي لقاء سندات خزينة من وزارة المالية دون وجود سند حقيقي لهذا التمويل, هو حل سهل جدا من الناحية التنفيذية ,  ولكن انعكاساته السلبية  تظهر حالا على شكل تضخم  وتسبب تدهور في قيمة الليرة السورية وقدرتها الشرائية بما يساوي أكثر من المبلغ الذي استخدم بالتمويل , كما يؤدي إلى ارتفاع كلفة البضائع المستوردة ( المواد الأولية ونصف المصنعة )  الضرورية للإنتاج , وانخفاض قيمة الموجودات النقدية من الليرات السورية في البنوك العامة والخاصة للدولة والناس على حد سواء , وهذا ما يفاجأ به الناس من ارتفاع الأسعار بشكل جنوني .
إن كلمة السر المفتاحية  لتعزيز قدرة الدولة على التدخل في الاقتصاد  تأتي من وفرة إيراداتها العامة , التي تتضمن الضرائب والرسوم الجمركية وعوائدها من الملكيات العقارية  والأراضي إضافة إلى فوائض المؤسسات العامة الإنتاجية والخدمية  وغيرها من الإيرادات , وفي أول الخطوات لترميم إيرادات الدولة وإعادة هيكلتها , لابد من إيقاف النزيف الدائم في موضوع التهرب الضريبي  والجمركي  ومكافحة كل أشكال التهريب  من وإلى البلد , ليس عن طريق المداهمات من قبل دوريات الجمارك , بل بتطبيق نظام الفوترة وتشديد عقوبات  التهرب الضريبي والجمركي وتقليل الاحتكاك بين المكلفين ومراقبي الدخل باستخدام الأتمتة و تقنيات المعلومات التي تم البدء بها منذ عقود ولكنها لم تكتمل ,  من المعروف أنه في وضع اقتصادي يتسم بالركود التضخمي وهو أسوأ حالات الاقتصاد لا يمكن اللجوء إلى فرض المزيد من الضرائب بل رفع كفاءة النظام الضريبي المعمول به وإيجاد مطارح ضريبية جديدة .
 كما يعتبر رفع كفاءة  استثمار ملكيات الدولة خطوة ضرورية  خصوصا أن هذه الملكيات مبعثرة ، لجهة إدارتها واستثمارها , حيث يمكن للدولة ومن خلال التصرف ببعض ملكياتها من الحصول على  إيرادات مناسبة,  تمكنها من ضخ الأموال التي تحصل عليها في قنوات تنموية , تساهم في رفع كفاءة الاقتصاد الوطني, مثال : ماليزيا في الأزمة المالية لعام 1998 التي عصفت بها , أقامت معرض خاص رعاه الدكتور مهاتير محمد وقد كان رئيس الوزراء , لملكيات الدولة وعرضها للاستثمار للحصول على مقابل مادي يمكنها من رفع قدرتها على التدخل لإنقاذ مؤسسات وشركات معينة , وتفادي اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي , ابتداء من العام 2000 وخلال سنتين استطاع الاقتصاد الماليزي التعافي , وأصبح  مؤشر النمو الاقتصادي إيجابيا  . وقد سبق للدولة السورية في أواخر التسعينات من القرن الماضي أن وزعت ملكياتها من الأراضي في الرقة ودير الزور على الفلاحين في خطوة لرفع دخل هؤلاء الفلاحين وزيادة كفاءة استثمار الأراضي التي تم توزيعها،
إن تدخل الدولة في المسار التنموي للبلد أصبح ضرورة قصوى، لذلك لابد من المباشرة بحلول شاملة غير تقليدية، وإنقاذ هذا الواقع المعيشي الصعب للناس، قبل أن تصبح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية معقدة وغير قابلة للحل، فما زالت الدولة قادرة على التدخل ...فهل تفعل ... ؟؟؟!!!!

إضافة تعليق