"الواق واق" بين الإصلاح وإعادة الإعمار

"الواق واق" بين الإصلاح وإعادة الإعمار

جهاد عيسى
في إحدى الروايات الهندية المعاصرة نسبياً، ينطلق الكاتب من افتراض أولي - ينتمي ربما إلى زمن الأساطير- بأن الأرض تعرضت إلى كارثة كبرى أودت بكل شيء وأعادتها إلى عصور ماقبل الحضارة (أي إلى الصفر الذي انطلقت منه) فلا علوم ولا تكنولوجيا ولا عمران ولا دول ولا حدود ولا أنظمة ولا قوانين، فقط رجل وامرأة كتبت لهما النجاة والبقاء، وحاول أن يتخيل كيف لهما أن يقوما بإعادة إعمار الأرض بطريقة يتم فيها تلافي كل الأخطاء التي ارتكبتها البشرية والتي أوصلتنا إلى مانحن عليه من بشاعة وقسوة..... هي محاولة إذاً للعودة إلى المدينة الفاضلة التي ضللنا سبلها.

لم تكن تلك المحاولة الأولى (ولا الوحيدة) للصراخ في وجه وحشيتنا وغرورنا وأنانيتنا البشرية، سبقتها وتلتها عدة محاولات، ولم تأت تلك المحاولات على طريقة صرخة حي بن يقظان (أو طرزان أو ماوكلي) أبناء الأدغال، وإنما جاءت على طريقة روبنسون كروزو وعائلته الذين فقدوا على أرض جزيرة نائية في عرض المحيط (والتي استنسخت مرة أولى من قبل السينمائي المبدع صلاح أبو سيف في فيلم "البداية" استنساخاً عبقرياً أضاف إليها وأضفى عليها رموزاً ومعان وإسقاطات جديدة وعميقة لإخراجها من دائرة قصص الأطفال، ليعاد استنساخها لاحقاً من قبل الكاتب الكوميدي المبدع أيضاً ممدوح حمادة في مسلسل "الواق واق"، استنساخاً هزيلاً وضعيفاً وهشاً).

يأتي هذا الاستحضار لمناسبة الحديث المتصاعد في هذه الأيام عن مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، إلا أن من يتحدثون يقصدون به إعادة إعمار ماتهدم بنتيجة هذه الحرب الكونية المدمرة والقاتلة التي نعيشها، وبالتحديد أكثر ماتهدم من مبان وجدران وتخرب من طرقات ومرافق ومؤسسات ومنشآت خدمية وبنى تحتية، حديث لايخلو من المفارقات المرة والأسئلة الموجعة التي تصب بمعظمها في سؤالين جوهريين لا انفصام بينهما، فهل ينحصر ماتهدم بالحجر؟ وهل حصر الحديث بما تهدم يعني أن مالم يتهدم هو بخير؟
حقيقة الأمر أن المسألة تتجاوز حدود الحجر والمباني والمنشآت، بل يمكن القول أن إعادة إعمار البنية التحتية العمرانية هي أسهل جزء من عملية إعادة الإعمار التي ننشدها، فالأمر وقتها لا يحتاج لأكثر من تدخل جراحي موضعي (من دون حقن تخدير) يصلح مواضع التلف والتخريب ويعيد الأمور إلى نصابها، إلا أن الواقع يتجاوز ذلك، ولو أردنا أن نستعرض ماتهدم، يصبح السؤال عن البنية التحتية الاجتماعية، التعليمية، القضائية، التشريعية، القيمية، الأخلاقية، الاقتصادية، السياسية، الثقافية .... وغيرها أمراً مشروعاً –لا بل يشكل جوهر الأزمة والمشكلة المستعصية-، فهل يمكن لنا أن نبنى البنية التحتية العمرانية بدون أي أدوات (وما البنى التي سبق أوردناها إلا أدوات العمران الحقيقية)؟وهنا تأتي الأسئلة المتلاحقة التي لا مناص من طرحها، هل تلك البنى (الاجتماعية، التعليمية، القضائية، .... إلخ) بخير؟ هل كانت بمنأى عن الدمار والخراب؟ هل كانت بخير أصلاً قبل اندلاع هذه الحرب؟

قد يقول قائل، إن فيما تقوله خلطاً بين إعادة الإعمار والإصلاح، فإعادة الإعمار إجراء موضعي، آني ينفذ على بنية مهدمة لإعادتها إلى ماكانت عليه (وهذا ينطبق على البنية التحتية العمرانية)، أما ماذكرت من بنى أخرى فهي بحاجة لإصلاح، والإصلاح عملية مستمرة، لا إطار زمنياً لها، بدأت منذ زمن طويل وهي مستمرة، ولا تتوقف عند لحظة معينة.
أنا -في الحقيقة- أجد موضوعية في مثل هذا الكلام، ولكن بمجرد أن أنظر إلى البنى الفوقية التي نملكها والتي ترتكز إلى هذه البنى التحتية، أقع في حيرة بالغة تتعلق بصعوبة الفصل بين الإصلاح وإعادة الإعمار إزاء مانحن بصدده، فالمسألة هنا تتعلق بتقييم إجمالي للمرحلة السابقة من الإصلاح، والتي لا تبعث نتائجها على الارتياح والاطمئنان على الإطلاق، ما العمل إذاً؟، وماذا يمكن لنا أن نفعل إن كان "العطار غير قادر على إصلاح ما أفسده الدهر" ؟
إن مثل هذا التقييم، يقودنا إلى التفكر ملياً في أي من المثالين المطروحين سابقاً علينا أن نستلهم، هل نستلهم نموذج فيلم "البداية" (أو مسلسل "الواق واق") والذي تضمن إنشاء بنىً فوقية استناداً إلى ذات البنى التحتية السابقة وبالتالي كانت النتيجة استنساخاً مكرراً، فاشلاً لذات التجربة؟ أم أنه لا مفر من استلهام نموذج الرواية الهندية؟ أي التدمير الكامل والشامل لكل الأساسات الضعيفة والهشة والمنخورة والبناء من الصفر.

علمتنا دروس التاريخ (والتاريخ خير معلم) أن كل عملية تغيير جذرية قامت بها البشرية، جاءت على إثر كوارث كبرى أو شلالات دماء، ولعل آخر الأمثلة وأكثرها نصوعاً ذلك الانتقال الذي قامت به الشعوب الأوربية من القرون الوسطى إلى عصور التنوير، واعتمادها العلمانية منهجاً إثر شلالات الدماء المسفوكة بسبب الطغيان الكنسي ومحاكم التفتيش الدموية. ولا أخفي إنني في لحظة ما من هذه الحرب السورية (في سوريا وعلى سوريا) كنت أمني النفس بأن كل هذا الخراب قد يحمل هذه الإيجابية اليتيمة (ولا مديح للخراب) بأن ننتقل ببركة هذه الدماء نحو مثل هذا التغيير .

فهل ننتقل؟ أم أن ماسفك من دماء لم يكن كافياً لذلك؟

 

إضافة تعليق