الثورة الرقمية .... هل هي "نهاية التاريخ"

الثورة الرقمية .... هل هي "نهاية التاريخ"

جهاد عيسى

عندما قام فرانسيس فوكوياما في العام 1992 بإصدار كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" وما رافقه من ضجة وجدل وسوء فهم، كنت قد بلغت الثامنة عشرة من عمري، وكما ألوف البسطاء الطيبين الذين لم يكونوا قد قرأوا ذلك الكتاب بعد، ساقتني أفكاري وتوقعاتي إلى أن الكتاب يتحدث عن نهاية البشرية ودمار الكون وفنائه، وبقيت على اعتقادي هذا عدة سنوات إلى أن تمت ترجمة الكتاب إلى العربية وتمكنت من الحصول عليه وقراءته، لأعلم حينها أن مايقصده فوكوياما بنهاية التاريخ، هو غاية التاريخ وهدفه الأسمى، وأنه كان حينها يروج –حسب اعتقاده- إلى أن انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الشيوعي واندثار حلف وارسو يبشر بميلاد تاريخ جديد يحصل فيه توافق عالمي على المثل الديمقراطية.
فالتاريخ إذاً حسب فوكوياما هو الحقبة، ونهاية التاريخ هي نهاية الحقبة وبداية حقبة جديدة وصولاً إلى الغاية الأسمى، وإذا كان قد ذهب إلى أن الديمقراطية هي "الجنة الموعودة"، وهي نهاية التاريخ الأسود للبشرية فإن بيل غيتس في كتابه "المعلوماتية بعد الإنترنت، طريق المستقبل" الذي صدر بشكل متزامن تقريباً مع كتاب فوكوياما، وتحدث فيه عن طريق المعلومات السريع أو بلغتنا الدارجة "أوتوستراد المعلومات" ( information highway )، جاء ليقول أن ثورة الاتصالات قد بدأت للتو، وأن أثرها المتوقع على طريق المعلومات السريع سيكون بمثابة "نهاية التاريخ".
وإذا كان بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت التي كان شعارها عند تأسيسها في العام 1976 "حاسوب على كل مكتب وفي كل بيت"، قد رسم في كتابه صورة للتاريخ القادم في ظل ثورة الاتصالات والثورة الرقمية، وأسهب في كلام أشبه بالتنبؤات عن دور للانترنت سنعيشه خلال عشرين عاماً قادمة، في التعليم والاتصالات والاقتصاد وإدارة الأعمال والترفيه والتواصل الاجتماعي وغيرها من مناحي حياتنا، إلا أنه أقر بشيء من التخوف، أن من يقرأ كتابه، سيشعر بأنه "يجدف" بكلام أشبه بالأوهام. أما اليوم –وبعد انقضاء العشرين عاماً التي تحدث عنها غيتس- سيجزم كل من يعيد قراءة كتابه (بمن فيهم غيتس نفسه) ويقارنه بما نحن عليه الآن، أنه كان متواضعاً في رسم التاريخ الجديد.
إن بيل غيتس رغم عمق وعلمية قراءته الرؤيوية للمستقبل والمستندة إلى نظرية الحلزون الإيجابي positive spiral التي أسهب في شرحها في كتابه، والتي تذهب إلى أن النجاح سيستجلب نجاحاً أكبر وهذا ماسيؤدي إلى توسع دائرة حلزون النجاح، إلا أنه ماكان يتوقع ربما (أو يتوقع أحد على سطح الأرض في ذلك الزمن) أن تسارع تطور تكنولوجيا الاتصالات وتنوع وسائطه، والتزايد بمتوالية هندسية "مجنونة" لسرعات نقل البيانات عبرها، سيقود إلى ثورات أكبر في عالم التشبيك قادت إلى تغيير كبير في كل فلسفات استثمار البيانات في مناحي الحياة المختلفة، أضف إلى ذلك الثورة الجديدة -التي لم تكن مطروحة في ذلك الزمن- والتي استولدت من رحم الثورة الرقمية في مجال الذكاء الصنعي والحوسبة الكمومية والتخزين السحابي.
لقد بقيت طوال عمري –وأنا إبن هذه الثورة الرقمية وأعمل في مجال تقنياتها منذ مايقارب الربع قرن- أراقب مشدوها هذه الإنجازات الكبيرة  والتسارع الهائل في تطورها، رغم أنني لا أخفي شعوري بكم كبير من الخوف ناجم عن إحساسي بقرب الوقوع في مأزق انعدام التناغم في السرعات، فسرعة تطور التقنيات الرقمية لا تتناغم بالمطلق مع سرعة تطور البشرية وقيمها وأنماط ثقافتها وسلوكها واستجابتها للمتغيرات، وكنت أفكر دائماً بسذاجة العاجز، أما أصبح من الواجب علينا أن نفكر في كبح وعقلنة تغول التطور الرقمي؟.
اعتادت ثقافتنا الشعبية أن تستشعر نهاية البشرية وتستحضر الموروث الديني بالحديث عن يوم القيامة كلما واجهت أمراً يصعب على العقل استيعابه، ولكن يوم القيامة هذا لم يكن ليأت وإنما كان الزمن هو من يتدخل ويجعل ما كان يصعب استيعابه أمراً مألوفاً، وربما كان وسواساً أن نستحضر قصة ذلك الطماع الذي سرق طاحونة الملح وسار بها في عرض البحر وأعطاها كلمة سر االبدء بالعمل فأنتجت من الملح ما أفرحه وأغراه بالثروة وعندما اكتفى وأصبح الملح مصدر خطر عليه وسيغرق قاربه عجز عن إيقافها لأنه لم يكن يحفظ كلمة سر الإيقاف.
أعتقد اليوم أننا نمتلك تساؤلاً مشروعاً إن كانت نهاية التاريخ هي "جنة" تحقيق الغاية الأسمى والانتقال إلى تاريخ جديد على طريقة فوكوياما؟ أم أنها "جحيم" الغرق والدمار والاندثار بفعل الغول الذي عرفنا كيف نطلقه من قمقمه، ولا نعرف أو لا نملك القدرة على إعادته إليه؟. 
 

التعليقات

Maggie 2019-Apr-15

I am sure this piece of writing has touched all the internet viewers, its really really nice paragraph on building up new blog. I am sure this post has touched all the internet users, its really really good article on building up new weblog. I will immediately clutch your rss feed as I can not find your email subscription hyperlink or newsletter service. Do you have any? Please allow me recognize so that I may subscribe. Thanks. http://cspan.co.uk

إضافة تعليق