حضرتنا "مش" من الرأي العام

حضرتنا "مش" من الرأي العام


جهاد عيسى

إذا طرحنا جانباً كل كلام الكتب "النظري" ومايقوله المفكرون والأكاديميون، ونزلنا إلى الشارع وسألنا كل من نلتقيهم، السؤال التالي:
ماذا يعني لك مصطلح الرأي العام؟.
فإننا سنتلقى إجابات يغلب عليها الطابع الرومانسي الخيالي، والتي تتحدث عن قوة إرادة، ووحدة موقف، وتيار تأثير وتغيير له الكلمة العليا في الدولة والمجتمع (وربما في العالم). وغالباً ماتكون تلك الإجابات مستمدة من تجارب شعوب وبلدان غير شعوبنا وبلداننا، أو بمعنى أدق، تجارب شعوب وبلدان الغرب "الديمقراطية"، الإنسانية، الحضارية.
أما إذا سألنا: كيف ترى الرأي العام في بلدنا "سورية"؟ وهل يوجد مايمكن تسميته "رأي عام سوري"؟
سنجد أن الآية تنقلب، ولن نحصل على جواب واحد موحد، بل سنجد أنفسنا أمام طيف واسع من الأجوبة، ابتداء من تلك الرومانسية الحالمة وانتهاء بالساخطة الشاتمة، مروراً بالإجابات الساخرة، المتهكمة، اليائسة، المحبَطة، المحبِطة، المتحمسة، المندفعة، المؤمنة.
بالعودة إلى كلام الكتب، نجد أن كل من كتبوا أو نظّروا أو درسوا في هذا المصطلح، وإن كانوا يعتمدون اليوم تعريفاً كلاسيكياً له على أنه: "الرأي السائد بين أغلبية الشعب الواعية في فترة معينة بالنسبة لقضية أو أكثر، يحتدم فيها الجدل والنقاش وتمس مصالح هذه الأغلبية أو قيمها الإنسانية مساً مباشراً"، إلا أننا لا نستطيع الجزم أنهم قد توافقوا عليه، على تعريفه، على أهميته، على حجم التعويل عليه، أو على ضرورة إرضائه، ففي الوقت الذي ذهب فيه (ميكيافيلي) إلى القول: "إن الرأي العام عنصر لابد أن يؤخذ في الحسبان في عملية الصراع من أجل السلطة"، قلل (أفلاطون) من ضرورة إرضائه من خلال مقولته الشهيرة: "إن مستلزمات السياسة لا يمكن أن تتأثر بمواقف العامة"، بل وذهب بعضهم إلى إنكاره، فالمفكر الألماني (توينس) يقول: "أن الرأي العام –كرأي موحد للجماعة- أمر لا يمكن تصوره حتى إبان كفاح الشعوب عن كيانها وحياتها، إذ أن الشجاعة في أفراد الشعب الواحد متباينة، والرغبة ليست واحدة"، وبالمثل، يقول الألماني (دوفيفات): "إن الرأي العام -كوحدة أو كدرب واحد لخط سير الجماعة بأكملها- أمر لا وجود له".
وبتقصي الجذور التاريخية، نجد أن هذا المصطلح قد استخدم منذ أقدم الحضارات وصولاً إلى وقتنا الحاضر، ولكن عبر مسميات مختلفة، "صوت الشعب"، "رأي الأحرار"، "رأي الكثرة"، "رأي الأغلبية"، "الاتفاق العام"، "الشعور الجمعي"، إلا أن المفارقة الأكبر، تتمثل في الإجماع العام بأن المرة الأولى التي استخدم فيها هذا المصطلح بحرفيته (أي الرأي العام) كانت إبان الثورة الفرنسية، وأن هذا أمر لاغرابة فيه برأيهم، "بالنظر إلى أن الثورة الفرنسية هي أصل الديقراطية في المجتمعات الحديثة"، ولكن إذا عدنا إلى أصل الرواية نكتشف المفارقة، إذا أن الرواية تقول بأن وزير المالية الفرنسي في زمن لويس السادس عشر (جاك نيكير)، عندما استشعر أزمة مالية تمر بها الخزينة الفرنسية نظراً لحاجتها إلى قروض كانت تقدم في العادة من قبل كبار أصحاب الأموال، ذهب إلى الحل السحري القائل بضرورة اكتتاب الأسهم باسم الأفراد والاستعانة (بالرأي العام) بدلاً من الاستعانة بالقلة من المستثمرين.
المفارقة الجلية هنا، هي أن استخدام المصطلح لم يكن للتعبير عن مصطلح سام أو ثوري –كما يمكن لنا أن نظن- وإنما استخدم لتوظيف عموم الشعب في حل الأزمة المالية للحكومة التي يثورون عليها، من خلال الإسهام بمدخراتهم في شراء الأسهم.
دعونا لا نغرق كثيراً في كلام الكتب، ولنعد إلى سؤالينا السابقين، بكلام هو مزيج بين الكلام المستوحى من أرض الواقع وكلام أصحاب الكتب.
فالكلام الرومانسي حول قوة وتأثير الرأي العام وكلمته العليا، والربط بين مفهومي الرأي العام والديمقراطية، والتكاذب الهائل المسوق إلينا حول تأثير الرأي العام في البرلمانات الديمقراطية والانتخابات في بلدان الغرب الأوربي الإنساني المتحضر، ماهو إلا تضليل للرأي العام (وخاصة في بلداننا)، وما هو إلا نوع من محاولات إقناع عموم الناس أن القرارات الحمقاء، المنحازة، الانتهازية التي تتخدها السلطات –على اختلاف أشكالها السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الدينية ... إلخ- ماهي إلا استجابة لضغوط من قبلهم، ولنا في السجل الحافل لحروب تلك البلدان في أقاصي الأرض وحجم الدمار والخراب والقتل والاستباحة الذي خلفته، أو موجات العنصرية ومناهضة حقوق الشعوب والأعراق والقوميات والأديان، دليل بالغ الوضوح على كم الأكذوبة التي رميت بها شعوب تلك البلدان، وعلى أن سياسات هذه البلدان وقرارات سلطاتها إنما تمت على أنقاض الرأي العام في بلدانهم أو على الأقل على أنقاض الأكذوبة الأكبر المسماة "الرأي العام العالمي". وإذا أردنا أن لا نكون جذريين في قولنا هذا، فما علينا إلا أن نذهب إلى ماقاله (نعوم تشومسكي) في كتابه (الربح مقدماً على الشعب) حيث قال -مافي معناه-، أن أهم أساليب سلطات الحكم الأمريكية في تحقيق أهدافها، تتمثل بتحويل هذه الأهداف إلى مطلب عام للجماهير، بكلام آخر، صناعة الرأي العام بهندسة متقنة بحيث تصبح مصالح أهل السياسة هي المطلب الأساسي "للرأي العام".
أما إذا عدنا إلى بلدنا (سورية)، وإلى الحديث عن الرأي العام السوري، فإن إنكار وجوده أمر فيه مجافاة للحقيقة، وسقوط في فخ الدونية تجاه الغير من البلدان أو الجماعات، فنحن كشعب، نملك مقومات الرأي العام (كما تصفها الكتب) كالعادات والتقاليد والموروثات الثقافية، الدين، التربية والتعليم، القضايا السياسية والاقتصادية، الزعماء والقادة، تاريخ حافل من الثورات والتجارب، إضافة إلى وسائل الاتصال والإعلام. كما أننا قابلون لأن نمارس -أو يمارس علينا- كل الخواص العقلية والنفسية للتأثير في رأينا العام، كالترميز، التنميط، التجسيد، التبرير، الإبدال، الإسقاط، التعويض، التطابق والتقمص. لكننا في المقابل، نتفهم السخرية، التهكم، اليأس أو الإحباط الذي يواجهك به كل من تحدثه بوجوده، فالرأي العام السوري –على وجه العموم- هو:

رأي منفعل وليس فاعلاً، يتأثر بما يلقى إليه من حقائق أو من أكاذيب على وجه سواء.

لايملك قادة ظاهرين أو معلومين أو معروفين، وخاصة في زمن غاب فيه التواصل المباشر وحل محله التواصل الاجتماعي الإلكتروني بكل مايحمله من سلبيات وفوضى أفكار وآراء، وبالتالي، أصبح كل شخص بذاته يحسب نفسه قائداً للرأي العام، بدلاً من أن يكون عموم الناس مقادون من قبل نخب مثقفة واعية وتملك القدرة على التأثير.
يعاني من ضعف قدرة الإعلام المحلي على التأثير في الرأي العام وصناعته (وهو الذي كان يمثل سابقاً الوسيلة الأنجع في ذلك عبر مقالات الصحف، أو نشرات الأخبار أو حتى المسلسلات والأفلام) وبالتالي انفتاح عموم الناس على وسائل إعلام يعج بها الفضاء غالباً ماتصنعه على هواها أو بما يخدم قضاياها.
 يسقط تحت تأثير التوظيف السلبي للعادات والتقاليد والموروثات الثقافية والدينية في قولبة الرأي العام بما لايشذ عن مقولاتها، وفشل التربية التعليم في تحصين الناس تجاه ذلك.
 لا يملك موقفاً، فإذا كان الشعب في سوريا، جماعات وهذه الجماعات تملك قضايا وأراء تجاه هذه القضايا، إلا إن هذا الأمر لا يتطور باتجاه تكوين "موقف عام" ينقل هذا الرأي العام إلى حيز التأثير.

من الصعب أن تتحدث عن الرأي العام لدى أي شعب أو فئة أو جماعة من دون أن تمتلك آلية لقياسه، وإذا كانت أغلب الكتب تتحدث عن الإنتخابات أو الاستفتاءات أو الإحصاءات واستطلاعات الرأي كوسائل قياس للرأي العام، فإن هذه الأدوات لدينا إما غائبة أو غائبة النتائج أو تعاني الكثير من العلل، مما يدفع أي شخص يحاول قياس الرأي العام بوسائله الخاصة إلى اللجوء إلى مايكتب من قبل السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي وغالباً مايدفعه هذا إلى ماتحدثنا عنه سابقاً من يأس وإحباط وكفر بهذا الرأي العام أو بوجوده وتأثيره، فأغلب ما تراه مما يمكن تسميته رأي عام عبر هذه المنصات يقوده الجوع بكافة أشكاله، والجوع مرشد سيء (بحسب تعبير أحد الأكاديمين في معرض حديثة عن أثر الأزمات الاقتصادية في تكوين الرأي العام)، فنحن شعب يعاني من جوع ليس إلى الخبز وحده، وإنما إلى الكثير الأمور التي لابد من توافرها إذا أردنا أن نتمتع برأي عام سليم.
شخصياً، لا أومن كثيراً بهذه الأكذوبة المسماة "رأي عام"، أو على الأقل، لست مؤمنا بكم الرومانسية التي يتم تداول هذا المصطلح بها، ولا أرغب بأن أكون جزءاً من رأي عام يقوده الجوع،لذلك أرغب بالاعتذار من الفنان سامي حواط الذي غنى ذات يوم (حضرتنا من الرأي العام ... صوت ال ما إلهم صوت)، وترديد عبارتي البديلة ( حضرتنا مش من الرأي العام).

إضافة تعليق