لماذا نحتفي بـ "البوكر"

لماذا نحتفي بـ "البوكر"

جهاد عيسى
من المنتظر أن يتم يوم غد (الثلاثاء 23 نيسان 2019) الإعلان عن الرواية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة حيث تتنافس ست روايات تمثل القائمة القصيرة للروايات المرشحة للفوز باللقب.
والجائزة العالمية للرواية العربية (لمن لم يسمع بها من قبل) هي جائزة أدبية عالمية تختص بالرواية العربية، أنشئت في عام2007 في إمارة "أبو ظبي" بدولة الإمارات العربية المتحدة بتمويل من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وبدعم من مؤسسة جائزة بوكر البريطانية، حيث يتم، سنوياً، ترشيح الروايات من قبل دور النشر وفق معايير معتمدة من قبل إدارة الجائزة ومبينة على موقعها الإلكتروني -كمرحلة أولى-، ليصار بعدها إلى ترشيح قائمة طويلة من ست عشرة رواية من قبل لجنة تحكيم متخصصة في المرحلة الثانية، لتعود اللجنة وتحصر المنافسة بقائمة قصيرة من ست روايات لتتنافس فيما بينها على الجائزة.
الأمر الملفت في ترشيحات القائمة القصيرة لهذا العام، هو غلبة الكاتبات على الكتاب، إذ أن أربعة من الروايات الست المرشحة هي لكاتبات نساء، وربما مالت الكفة باتجاه فوز إمرأة بجائزة هذا العام، مع العلم أن حضور النساء في مجال كتابة الرواية العربية قد غدا أمراً ملموساً في السنوات العشرين الأخيرة – بعدما كان نادراً وقليلاً فيما سبق-، فقد وصلت إلى القائمة القصيرة لهذه الجائزة، روايات لكاتبات نساء سبع عشرة مرة مقابل خمس وخمسين مرة لكتاب رجال، هذا عدا عن القائمة الطويلة. وبالطبع أنا هنا لا أروج لذلك من باب تعويم مصطلح الأدب النسوي أو أدب المرأة أو غيره من المصطلحات المرفوضة والقاصرة وغير البريئة (ولهذا مجال حديث آخر).
على المستوى الشخصي، أتمنى أن تحظى رواية "صيف مع العدو" للكاتبة الروائية السورية "شهلا العجيلي" بفرصة نيل هذا اللقب، إذ أن هذه هي المرة الثانية التي تصل الروائية العجيلي إلى هذه المرحلة، فقد كانت روايتها "سماء قريبة من بيتنا" من بين روايات القائمة القصيرة في العام 2016، إضافة إلى أن الروائية العجيلي تتمتع بروح روائية عالية، وتنسج رواياتها بأسلوبية رائعة تجمع بين دفء حكايات الجدات ومرارة الواقع المعاش، كما أنها تطلق العنان للمونولوجات الداخلية لبطلات رواياتها لتلامس مناطق عميقة في روح القارئ من دون أن تدخله في الرتابة والاسترسال الممل، أو تعقد عليه مهمة الخوض في تحليلات فلسفية استعراضية، روائية تكتب برشاقة وأناقة تحبس أنفاس القارئ منذ السطر الأول للرواية وصولاً إلى سطرها الأخير.
هي ليست المرة الأولى التي تصل فيها رواية سورية لتكون من ضمن روايات القائمة القصيرة، فقد وصل إلى هذه المرحلة الروائي خالد خليفة مرتان بروايتيه "مديح الكراهية" و "لا سكاكين في مطبخ المدينة"، شهلا العجيلي مرتان (كما أسلفنا)، فواز حداد برواية "المترجم الخائن"، لينا الحسن برواية "ألماس ونساء" وديمة ونوس بروايتها "الخائفون"، إلا أنها ستكون المرة الأولى (إن حصلت) التي تفوز فيها رواية سورية باللقلب.
إن من حق أي قاريء أو متابع أو مثقف أن ينظر بشيء التخوف والعدوانية تجاه هكذا جوائز، فالأمثلة كثيرة حول تسييس الترشيحات وتعويم أسماء بذاتها وإهمال الكثير غيرها ممن يستحق، وترويج أنماط من الثقافة والأفكار لأهداف عقائدية أو دينية أو سياسية، إضافة لاستخدام المال والنفوذ والشهرة لتطويع أصحاب الأقلام والأفكار، وهذا الأمر لا تكاد تخلو منه جائزة أدبية أو فنية أو حتى علمية، بدءً من الجائزة الأعلى والأشهر (جائزة نوبل) وانتهاء بأي جائزة محلية على مستوى مدينة صغيرة. إلا أنني من ناحية ثانية – أنا والكثير من المتابعين والمهتمين- نرى أن الأمر ليس بهذا السواد، وأن هذه الجائزة (وغيرها من الجوائز الهامة) تملك العديد من الإيجابيات والحسنات التي تدفعنا للاحتفاء بها والدعوة لتكريسها، يمكن لنا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
1- هي ليست مسابقة لانتقاء رواية فحسب، إذ يحسب للقائمين على هذه الجائزة أنهم حولوها إلى احتفالية ثقافية بكل معنى الكلمة تمتد على كامل أيام السنة، إذ يرافق كافة مراحل هذه الاحتفالية إقامة ندوات وملتقيات أدبية في أكثر من بلد يشارك فيها الروائيون المرشحون ليتحدثوا عن تجاربهم ورواياتهم المرشحة، كما تنشغل ورشات من النقاد الأدبيين في كتابة قراءاتهم النقدية لهذه الروايات وتجارب أصحابها وواقع وهموم فن الرواية العربية بالعموم، كما يحسب لهم مواكبتهم للغة العصر ومفرداته، إذ أن موقعهم الإلكتروني وصفحاتهم على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، يوتيوب، تويتر ... إلخ) تشكل ذراعاً طويلة لهم للوصول إلى أوسع شريحة من المهتمين، إذ تذخر بالكم الهائل من المحتوى الإلكتروني القيم المتعلق بالجائزة من روايات وقراءات نقدية وتعريف بالكتاب وتجاربهم، بما يمثل استثماراً أمثل لمفهوم التكنولوجيا الرقمية وصناعة لمحتوى رقمي معارفي حقيقي.
2- إن لم يكن فن الرواية يستحق احتفالية، فمن يستحق؟، حقيقة الأمر أن الأدب والفن والشعر والفكر والكتاب تستحق احتفاليات دائمة، فهذه الفنون هي علامة من علامات حضارة أي أمة، علامة لتحضر شعبها وحيوية ثقافتها ... كما أنها واحدة من وسائل الجمال والحب والإيمان والنماء في مواجهة كل مايروج لنا ويزج في أرواحنا من سواد وخوف وتعصب وكراهية ويأس.
3- من غير المجدي أن نظل نتباكى على الثقافة وننعى مصيرها وانصراف الأجيال عنها، لابد من الترويج لها وبطرق تواكب مفردات العصر، ولا تستطيع المؤسسات الثقافية (أو حتى الكتاب أنفسهم) الاستمرار بالعقل الجامد القائم على النشر والتأليف وإلقاء الكتب في مستودعات المكتبات والمراكز الثقافية، ومن ثم التساؤل (النرجسي الفوقي) عن موت الثقافة وانصراف الناس عنها، يحسب لهذه الجائزة أنها أعادت عجلة كتابة الرواية –كما عجلة قرائتها- إلى الدوران، أنها بنت جسر ربط بين القارئ من جهة والكاتب والناشر من جهة ثانية، أنها أقامت منصة لكتاب الرواية العرب ونتاجاتهم للوصول إلى الناس. فنحن كمتابعين، كنا واقعين تحت رحمة القليل جداً من الأسماء المكرسة التي تتمكن من تحقيق اختراق ما لكي تصلنا، وكنا غالباً مانقرأ لكتاب من النصف الأول من القرن العشرين، وكان مايصلنا من نتاجات الكتاب الجدد قليلاً وبالكاد كنا نسمع بهم أو تعني أسماؤهم لنا شيئاً (إن وصلت).
من تجربتي الشخصية (وأعرف أنها تشابه تجربة كثيرين غيري) أقول، تعرفت بفضل هذه الجائزة –على مدى أعوامها القليلة- على أكثر من مئة كاتب روائي عربي، أغلبهم بدأ تجربته الروائية خلال السنوات العشرين الأخيرة، وبعضهم كانت روايته المرشحة هي روايته الأولى، وبفضل هذا الأمر، قرأت لبعضهم كامل نتاجه السابق بعد أن لمست في روايته المرشحة للجائزة مايستحق الاهتمام، وبالتالي ربما أكون قد قرأت (بفضل جريمة القرصنة وانتهاك حقوق النشر على شبكة الإنترنت) أكثر من ثلاثمئة رواية خلال السنوات العشرة الأخيرة لهذا الجيل الواعد من الكتاب، وتعرفت إلى تجارب من العراق وتونس والجزائر والمغرب والكويت ما كنت لأسمع بها ... وكانت خلاصتي هي السخرية من مقولة (الموت القريب لفن الرواية) التي أطلقت منذ سنوات، وأكاد أجزم أن من أطلقها هم بعض الذين يديرون منصات الثقافة والأدب والفكر بعقول خشبية، استعلائية على المتلقي.
هذا الكلام لا ينطبق على هذه الجائزة فحسب، وإنما على الكثير من الجوائز، فهل لنا أن نتخيل ما الذي كان سيحصل لو لم تكن جائزة نوبل موجودة، وكم سيكون حجم حظنا منخفضاً بأن نسمع بأسماء كغابرييل غارسيا ماركيز أو خوسيه ساراماغو أو باتريك موديانو ... وغيرهم الكثير، أو نقرأ لهم.
عندما يأتي موسم الترشيحات في كل عام، أتساءل، لماذا تغيب دور النشر السورية عن الترشيحات؟ ولماذا يرشح الكتاب السوريون من قبل دور النشر العربية التي قامت بنشر كتبهم وليس من قبل دور نشر سورية؟ هل هي مسألة حرب وضعف إمكانات؟ وإن كانت كذلك، كيف يحضر العراق الجريح بقوة في فضاء الثقافة والكتابة والنشر؟ ولماذا لا يتم على الأقل مواكبة هذا الحدث في مؤسساتنا الإعلامية والثقافية، والإضاءة على الروائيين السوريين وتجاربهم؟ حسناً، أين الإحتفالية السورية المشابهة والمقابلة؟ وهل من منصة ما أستطيع من خلالها التعرف على الترشيحات لجائزة حنا مينا أو جائزة عبد السلام العجيلي للرواية؟.
إن المسألة هنا، هي مسألة أبعد بكثير من "مشجب الحرب والظروف والإمكانات"، هي مسألة عقلية القائمين على الثقافة ومؤسساتها، عقلية أفراد ومؤسسات ... عقلية أقل ما يقال فيها أنها بعيدة كل البعد عن الثقافة فلا يمكن إدارة معركة ثقافية أو حراك ثقافي بعقلية المكاتب الإدراية وبيروقراطيتها ولايمكن مواجهة الغزو الثقافي والإيديولوجي بالانغلاق والتخوين وعقل المؤامرة على طريقة أي مؤسسة حزبية.
إن نقطة الإنطلاق المحورية هي الإرادة، لا شيء قبلها، وبعدها يهون كل شيء ... وللحديث تتمة.

 

إضافة تعليق