"ريادة الأعمال في سوريا" لا جعجعةَ ولا طحنا

"ريادة الأعمال في سوريا" لا جعجعةَ ولا طحنا

جهاد عيسى
استوقفتني مؤخراً دراسة حديثة نسبياً أجريت في العام 2012 في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق بعنوان " تأثير موقف الطلاب من ريادة الأعمال في نيتهم للشروع بأعمال ريادية " واستهدفت عينة من طلبة بعض الجامعات الحكومية والخاصة واعتمدت أسلوب التحليل الإحصائي لنتائج استبيانات موزعة عليهم تتركز أسئلتها حول موضوع "النية أو الميل والرغبة" حيث خلصت إلى وجود ارتفاع ملحوظ في أعداد الشباب السوريين الذين يميلون إلى الابتعاد عن العمل في الوظيفة (الحكومية أو الخاصة) والانطلاق في عالم ريادة الأعمال وبناء مشروعهم الخاص.
بالنظر إلى هذه الدراسة –وبعيداً عن الخوض في الأرقام التي أوردتها ومدى القيمة التأشيرية لها في ظل ضيق العينة المستبينة وعدم شموليتها لمختلف التخصصات العلمية أو الخلفيات المناطقية والمجتمعية للطلبة- فإنني أود التوقف عند نقطتين جوهريتين، الأولى هي مفهوم ريادة الأعمال وأما الثانية فهي اعتماد النية كمعيار، لما لهاتين النقطتين من أهمية في الدخول إلى قراءة واقع ريادة الأعمال في سوريا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
بالعودة إلى النقطة الأولى وهي مفهوم الريادة، فقد التبس هذا المفهوم إلى حد ما، إذ بدا من الدراسة أن السؤال الموجه إلى المستبينين يقوم على فكرة العمل لحسابهم الخاص بعيداً عن العمل لحساب الغير –وفي هذا تصور منقوص لمفهوم ريادة الأعمال-، فالعمل للحساب الخاص يستند غالباً إلى فكرة إنشاء مشروع تقليدي صغير، ذي نطاق محلي ضيق (قد يكون من مستوى حي أو قرية أو مدينة) بتمويل يكون في أغلبه قائم على مدخرات شخصية أو قرض تنموي بسيط، وينطلق من فكرة الابتعاد عن المجازفة واعتماد نموذج ربحي مباشر وسريع، كما يمكن أن يندرج تحت بند العمل للحساب الخاص أولئك الذين ينطلقون من إرث عائلي قديم في مجال الأعمال يتيح لهم تأسيس شركة من ضمن الحالة الاستمرارية لاستثمار رأس المال العائلي وتوسيع قطاعات عملها. أما مفهوم ريادة الأعمال فينطلق غالباً من التقاط فكرة مبتكرة، وتأسيس شركة ناشئة لتحقيق هذه الفكرة برأسمال غالباً مايكون في المرحلة الأولى عبارة عن مدخرات شخصية ولكن يسعى خلال وقت قصير إما للحصول على منحة من جهة تدعم الفكرة أو لإقناع جهات استثمارية مهمة بالشراكة والاستثمار في هذا المشروع الناشيء. لا يخلو العمل على المشروع الريادي من مجازفة مدروسة، ويجب أن يستند إلى نموذج أعمال يتضمن حلولاً غير تقليدية.
أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية، وهي النية أو الميل، فلا شك بأنها تشكل ركيزة جوهرية وأساسية في التعويل على الانطلاق بالعمل الريادي، خاصة إذا اقترنت بالإيمان والعمل والقدرة والإمكانية، فالنية غالباً ما تكون أول نتائج استشعار الشباب لحالة الاستعصاء الكامنة في الخيارات التقليدية، والجدار الأصم الذي يسد دروب السير في الخيار النمطي للعمل الوظيفي.
لكن السؤال المهم، هل تكفي النية أو الرغبة أو الميل؟ والجواب البديهي الذي لا لبس فيه: كلا لا تكفي. فمن خبرتي المتواضعة في العمل ضمن قطاع التعليم الجامعي وفي مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالذات (وهو المجال الأكثر إغواء للشباب الذين تداعبهم فكرة العمل الريادي)، كثيراً مايكون الاكتفاء بالنية أو الرغبة عامل إحباط وتحطيم وتهشيم، إذ يسارع كثير من الشباب مدفوعين بحماسهم ونيتهم الصادقة إلى خوض "مقامرة" غير محسوبة وغالباً ماتنتهي خلال وقت قصير بمجرد الاصطدام بحواجز المؤهلات والمهارات، التسويق، التمويل، التشريعات الحكومية، انكماش السوق، جبن رأس المال، تقليدية النموذج الاقتصادي في البلد، لا واقعية نموذج الأعمال الخاص بالمشروع الريادي، نقص الخبرة والحكمة والعقلانية.
في الحقيقة، ليس أمراً سهلاً توقع ازدهار ريادة الأعمال والشركات الناشئة في بلد كسوريا، فالنموذج الإجتماعي والاقتصادي في هذا البلد قائم منذ مايقارب الستين عاماً على أبوية الدولة في كل شيء، فهي الأب والسيد المسيطر على كل مناحي التشريع والاستثمار ورأس المال وسوق العمل ووسائل الانتاج والتعليم ..... وغيرها من مناحي النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي، فإن الثقافة السائدة مجتمعياً تقوم على انتظار الحلول من الدولة، ورغم أن الدولة قد أدركت منذ عشرين عاماً تقريباً (عن وعي حيناً وعن اضطرار أحياناً أخرى) حجم المأزق والاستعصاء في الاستمرار في هذا النهج الأبوي، وحاولت إحداث اختراقات ما تتيح لها إلقاء بعض أعباء هذه الأبوية عن كاهلها من خلال تحقيق انفتاح وتعديل في نموذجها الاقتصادي والاجتماعي، يشجع الاستثمار والمشاريع الاقتصادية وحركة رأس المال الخاص ويفتح المجال أمام المبادرة الفردية، إلا أن هذا الأمر لم يؤت أكله المتوقعة، فمن جهة أولى، بقي نشاط الاستثمار والقطاع الخاص تحت سقف الربحية السريعة وعناوين جبن رأس المال وغياب أي مسؤولية وطنية أو مجتمعية، ومن جهة أخرى مارست الدولة انتقائية في ما ستتخلى وما ستتمسك بأبويتها إزاءه وغالباً ما كانت هذه الانتقائية في غير محلها، وبالنتيجة لم يحصل تطوير كبير في الثقافة المجتمعية لناحية التوقف عن انتظار الحلول من الدولة والانطلاق بالمبادرات الفردية.
ربما يكون أمراً مشروعاً أن يتبادر إلى ذهن القاريء فكرة أن الحديث عن ريادة الأعمال في سوريا يعتبر أمراً في غير أوانه، وأن الحديث عن واقع صعب للشركات الناشئة حالياً أمر فيه تجن وعدم واقعية بالنظر لكوننا نعيش حرباً ضارية منذ أكثر من ثماني سنوات حطمت وهشمت بنية الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية وأعاقت عجلة التنمية اللازمة التي تؤمن مايستلزمه ازدهار هكذا قطاع، وأن القادم سيكون أفضل عند انتهاء الحرب والبدء بإعادة الإعمار، إذ ستكون المشاريع الصغيرة والشركات الناشئة محرك النمو الأساسي حينها.
يبدو الكلام السابق واقعياً ومنسجماً مع الدراسة المنهجية اليتيمة تقريباً في هذا المجال، والتي قام بها رائد الأعمال السوري الشاب أحمد سفيان بيرم ونشرها في العام 2017 بعنوان "ريادة الأعمال في مناطق النزاع... نظرة على المشاريع الناشئة في سوريا" والتي خلص فيها إلى وجود عشر تحديات تواجه المشاريع الناشئة في سوريا حالياً، وهي: انعدام الأمن والاستقرار السياسي، شح الدعم المالي، محدودية الوصول إلى الأسواق، البنية التحتية الآخذة بالانهيار، العقوبات وتقييدات الدفع، الأعباء الاقتصادية المتزايدة، تناقص المهارات البشرية، تضاؤل حجم السوق، البنية التنظيمية النابذة، وخلل النظام التعليمي، إلا أن كل ما سبق لا يمنع من القول أن بعضاً من هذه التحديات كانت موجودة قبل الحرب، وهي تحديات مزمنة وعوائق حقيقية لا يمكن لنا أن نعول حتى على اللحاق بركب الدول المجاورة كلبنان والأردن ومصر والإمارات -وقد تجاوزتنا بمراحل كبيرة في هذا المجال -.
بالعودة للحديث بشيء من التخصيص عن واقع ريادة الأعمال في سوريا والجهود المبذولة في هذا المجال، فلا بد أن نشير بداية إلى أنه، إذا كانت بوصلة النظام البيئي لمجتمع ريادة الأعمال السليم تقوم على ثالوث صحي وهو (الفكرة، الإطلاق، النمو)، فإن ركائز بناء هذا النظام البيئي السليم هي أيضاً ثلاث (بناء الوعي، التمكين، الدعم والمساندة).
تتولى بعض الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني الشبابية والفرق التطوعية (وجميعها غير حكومية في ظل غياب أي جهود حكومية في هذا المجال) العمل على إطلاق مبادرات من وقت لآخر مدعومة أو ممولة غالباً من جهات خارجية أو منظمات دولية (وفي حالات قليلة وخجولة جاءت المبادرة من شركات خاصة وطنية كشركات الاتصالات الخلوية أو بعض البنوك الخاصة)، تركز هذه المبادرات بشكل أساسي على جانبي بناء الوعي والتمكين عبر استهداف طاقات إبداعية كامنة بأعمار تتراوح بين 12 – 35 عاماً ونشر ثقافة العمل الريادي وإقامة برامج تدريبية لتأهيلهم في مجال التخطيط للمشاريع وبناء نماذج الأعمال والخطط التسويقية ... وغيرها من المهارات، وفي حالات قليلة ونادرة، تلقت بعض المشاريع دعماً مالياً بسيطاً على شكل منحة أو جائزة لمسابقة خاصة بالمشاريع الريادية.
وإذا كانت حاضنات الأعمال هي البيئة الأمثل لرعاية المشاريع الريادية في معظم بلدان العالم، فإن بلدنا يفتقر إلى مثل هذه الحاضنات باستثناء حاضنة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي أنشأتها الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية في أكثر من محافظة، تغيب بالمقابل حاضنات الأعمال لمشاريع في مجالات أخرى (عدا المشاريع التكنولوجية)، كما تغيب حاضنات الأعمال عن الجامعات ومراكز الأبحاث والوزارات المعنية (باستثاء محاولة تلوح بوادرها مؤخراً في الجامعة الإفتراضية السورية لإنشاء حاضنة مشاريع في مجال المحتوى الرقمي).
ليس من العدل أن نقسو على حاضنات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التابعة للجمعية العلمية السورية للمعلوماتية بالنظر إلى الإمكانيات المحدودة المتاحة بين أيديها، إلا أن مردودها بعد مرور هذه السنوات الطويلة من إنشائها لا يرتقي أبداً إلى حجم المأمول أو مستوى التحديات أمام هذا المجال الحيوي الهام.
لابد من الإقرار بأن الحديث عن واقع ريادة الأعمال في سوريا أمر صعب جداً في ظل غياب أي توثيق منهجي للنشاطات المنفذة في هذا المجال وغياب أي أرقام أو إحصائيات تاشيرية حقيقية يمكن الاستناد إليها في استقراء هذا الواقع (كما هو حال أغلب المجالات في بلدنا)، وفي ظل غياب أي جهة مرجعية تعنى بهذا الأمر وتنسق جهود الجهات المختلفة التي تقوم بالقيام بمبادرات في هذا المجال أو حتى وجود سعي بين هذه الجهات للتواصل فيما بينها وتنسيق جهودها.
في الحقيقة، إن أكبر مشكلتين تواجهان الجهود في هذا المجال، غياب التركيز على موضوع المتابعة، وبالتالي، غالباً مايتم إقامة نشاط أو مبادرة، وتأسيس بعض المشاريع ومساعدتها وتمكينها خلال فترة محدودة (غالباً ماتكون فترة النشاط أو المسابقة)، ومن ثم (ينكسر الدف ويتفرق المحبون) فتذهب الأمور لحالها لتكتشف أن أغلب المشاريع دخلت في مرحلة من السبات أو توقفت ولم تتحول إلى مشاريع قائمة بذاتها. أ

أما المشكلة الثانية فتتمثل بغياب الجهود المتعلقة بثالثة الأثافي (الدعم والمساندة)، فلا القطاع الخاص أو المستثمرون والمتمولون الكبار يسعون إلى القيام بهذا الدور المجتمعي أو الاستثمار في مثل هذه الفرص الكامنة، والحكومة غائبة غالباً ودائماً، علماً أن بإمكانها القيام بالكثير، فعلى الأقل بإمكانها (ومطلوب منها) العمل على تهيئة البيئة الصحية الملائمة لنمو هذا القطاع، إذ يكفي على سبيل المثال، أن تقوم بتحديث تشريعاتها، ولحظ قانون خاص بهذه الشركات الناشئة يقدم تسهيلات وإعفاءات لمثل هذه الشركات بدلاً من إغراقها في متاهات الروتين والبيروقراطية التي تستنزفها أو إخضاعها لقانون الشركات العادية الذي يرهقها بالرسوم والضرائب والقيود، إضافة لضرورة عملها على التسريع بإنجاز مشروع الدفع الإلكتروني الذي من شأنه أن يعطي دفعاً كبيراً لأغلب الشركات الناشئة في سوريا بالنظر لاعتماد نموذج أعمالها على مثل هذه القناة، هذا عدا عن الأمور المتعلقة بالبنية التحتية من كهرباء وإنترنت ومرافق خدمية.
يبدو مؤلماً بعض ماكنت أعرفه (بحكم قربي من هذا المجال، ومشاركتي في أحد النشاطات الخاصة به منذ أعوام)، وما اكتشفته خلال مرحلة بحثي وإعدادي لهذه المقالة من أن أغلب المشاريع الواعدة التي أسست داخل البلد خلال السنوات الماضية، قد وصلت إلى حائط مسدود فانتقلت مهاجرة خارج الحدود (وفق ماصرحت به السيدة فدوى مراد مديرة حاضنة دمشق لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى مجلة رواد الأعمال العرب في وقت سابق) فحظيت بفرصة أفضل وأصبحت موجودة على خارطة المشاريع الريادية في الغرب أو بعض البلدان الخليجية ... فهل من أمل بسماع الجعجعة و رؤية الطحن قريباً؟

إضافة تعليق