البشر بين الخاصة و العامة

البشر بين الخاصة و العامة

الدكتور أسامة سمّاق

هناك أشكال مختلفة للأمية, حيث أن ما أصبح تقليداً من جهل لمبادئ القراءة والكتابة، يسمى بالأميّة الأبجدية، و الشكل الآخر للأميّة هو الأميّة الثقافية، هذه تبدو جليّةً عند الكثيرين الذين استطاعوا محو الشكل الأبجدي لأميّتهم، وهم رغم حصولهم على شهادات مدرسية وجامعية تراهم يعانون منها، فنتيجةً لمحدودية اطلاعهم على نتاج الثقافة الإنسانية، أو ربما عدم استعدادهم لهضم ما قد يكونوا قد اطلعوا عليه، ترى سقفهم منخفض، واستيعابهم محدود للأفكار والنظريات والظواهر الطبيعية؛ والإنسانية، حيث أن محاولاتهم لفهم ما بجري تصطدم عادةً بالرفض التلقائي بسبب مواجهتهم لظواهر أو أفكار أكبر من طاقتهم على تحملها.

بالتداعي يبدأ الانفعال عند هذه الشريحة من البشر ويتحول هذا الانفعال تدريجياً إلى تعصب لفكرة ما, ربما تكون سياسية أو حزبية أو فلسفية أو تاريخية أو دينية...إلخ، و تتسم فكرة التعصب هذا بالتخلف عادةً، وبعدم كفاءتها على مواكبة الفكر المنفتح و حداثته.
بالمحصلة فالأمية الثقافية تؤدي إلى عطالة عقلية مزمنة، وتحرم صاحبها من بعد النظر, ومن مهارات ممارسة التحليل والقياس والاجتهاد، والأخطر من ذلك تكبح قدرته على التشخيص التفريقي بين الأحداث والأفكار والشخصيات وعلى فرز السلعة الفكرية الجيدة عن السلعة الرديئة.
وهناك الأقلية التي تتكون من أصحاب الثقافة الواسعة، وهم يشكلون في المجتمعات الإنسانية أقلية نسبية، تختلف من شعب لآخر حيث تتعلق بمستوى التطور لشعبٍ ما؛ وبمستوى التخلف لشعبٍ آخر، فحب المعرفة يتناسب طرداً مع صناعة الحضارة .
تلك الأقلية تدعى بالمثقفين و يكوّنون النخبة في مجتمعاتهم؛ والتي يطلق عليها الخاصة.
إلى ذلك فإن شريحة الخاصة المثقفة ومع تراكم المعلومات لدى البعض منها، وتحول الكم المعرفي لديها إلى محصول فكري ذو طبيعة عالمية، تُثمر هذه الشريحة فتقدم للبشرية شخصيات أرقى من حيث نوعية إنتاجها؛ مختلفة بالنسبة لمواضيع بحثها، عابرة لزمانها؛ نيرة بأفكارها . هؤلاء هم أهل الفكر والفلسفة، والذين يمثلون خاصة الخاصة.
من أمثال المفكرين أو الفلاسفة المذكورين أخيراً؛ هناك زكي نجيب محمود؛ حسن حنفي؛ يوسف زيدان و الطيب تيزيني ..الخ.
من البديهي أن لا يفهم فكر هؤلاء للوهلة الأولى، فهكذا هي طبيعة العلاقة بين فكر هؤلاء وعامة الناس عبر التاريخ.
وخاصة إذا تزامن نتاجهم مع مواقف سياسية غريبة على الخطاب التقليدي لزمانهم..!!.
لكن لا مفر من الاعتراف أن المعرفة الفلسفية هي إبحارٌ في محيط الحكمة، والحكمة هي منبع العلوم الكونية وتاجها، ومنها انبثقت العلوم التطبيقية التي تبني الحضارة البشرية، وبالتالي فالفلاسفة والمفكرون يكتبون دائماً بلغةٍ ليست من لغات عصرهم الدارجة، فهي لغةٌ متنقلة بين العصور والأجيال..!. وهنا بيت القصيد؛ فهكذا فكر، غالباً ما ينبذه عصره، لعدم قدرة العامة على مواكبته، وأحياناً يتعرض أصحابه للاضطهاد والتنكيل كما حدث مع إمام الصوفية الحلاّج في العصر العباسي؛ وطه حسين في القرن العشرين.
الحقيقةُ عارية كما جسدها الرسام الفرنسي جان ليون جيروم في لوحته الشهيرة في القرن التاسع عشر , فهي تقيم متخفية عن عيون البشر، كونها مرفوضة من قبل العامة لطبيعتها الجارحة، وخاصة البشر يمكن أن تتعايش معها، لكن القدرة على اكتشافها يمتلكها و بشكل حصري خاصة الخاصة من البشر، وهؤلاء قلة بعددهم؛ رحّالة عبر العصور بعقلهم .
قال الإمام علي :"لا تستوحشوا طريق الحق لقلةِ سالكيه"

إضافة تعليق