بين الشك واليقين ... هل الديمقراطية دمارٌ شامل؟

بين الشك واليقين ... هل الديمقراطية دمارٌ شامل؟

د.أسامة سَمّاق

إن كلمة "ديموقراطية" مشتقة من كلمة "Demos" وتعني باليونانية الشعب ومعنى الكلمة حكم الشعب. وقد تطور هذا المصطلح حتى أصبح يتصف بالشمولية، فأصبح يتضمن الحرية والعدالة الاجتماعية، والتحضر والحداثة وما بعد الحداثة، والعلمانية والتطور والتقدم، وحقوق الإنسان والمرأة والطفل....الخ . بكلمة واحده، بات موضة العصر لا بل صرعة العصر...للوهلة الأولى لا غبار على نظام الحياة هذا الهائل في شموليته لدرجة أنه تفوق على أعتا الأنظمة الشمولية التي عرفها التاريخ...ولكن: بنظرة سريعة على محصلة الصراع من أجل الديمقراطية في دول العالم المتخلف، وخصوصاً في المنطقة العربية نرى أن الوسائط المستعملة لتحقيقها هي وسائط القهر والإخضاع الأكثر فتكاً في التاريخ، ومقارنةً مع الوسائط التي استعملتها أنظمة الدول الوطنية التي وصفت بالاستبدادية، تبدو الأخيرة أكثر رحمة وإنسانية!!!

فكانت النتائج كارثية...وقائمة الأمثلة طويلة:
- العراق : دمُرت الدولة فيه بدبابات وقاذفات الديمقراطية، وهو اليوم شبه دولة وقراره مرتهن للولايات المتحدة الأميركية.
- ليبيا : تم تدميرها بالكامل، أيضاً باسم الديمقراطية من قبل عتاة الديموقراطية العالمية وممالكها في المنطقة العربية، ولا أمل حالياً لأن تعود وتتشبه بالدول في المستقبل المنظور.
- سوريا : جرى تدميرها بشكل منهجي، وما زالت الدولة فيها صامدة، وما زالت بعض دول المنطقة وحلفاؤها وراء المحيط، يبتكرون الأساليب الأنجع لتفتيتها.
- تونس: فاتحة ما يسمى الربيع العربي، تعيش حالة عدم استقرار اقتصادية وأهلية، والإرهاب المدعوم دوليا واقليمياً يهددها.
- اليمن : هنا المفارقة التي لا تتفق وطبيعة الأشياء، فالا معقول سيد الموقف.. طائرات ممالك الحكم الأوتوقراطي القادم من العصور الوسطى تدمر البلاد باسم الديمقراطية، و بدعم من أعرق الديموقراطيات الغربية.
- مصر: يدمر جيشها يومياً من قبل المنظمات الإرهابية و في مقدمتهم الإخوان المسلمين "الحريصين أيضاً على الديموقراطية"..!
هذا بالإضافة إلى ما ينتظر دول الخليج التي أصبحت في قلب العاصفة نتيجة لانجرارها إلى حرب اليمن، والنهج البشع في تصفية المعارضين والعقوبات الغربية المرتقبة وصولاً إلى تقسيم السعودية، وضرب نهضة الإمارات وغيرها...

وهنا التساؤل:
١- بفرض حسن النية، هل تستحق الديموقراطية هذا الكم الهائل من الخسارة؟
٢- بفرض سوء النية، هل شعوب المنطقة من البلاهة والبدائية لدرجة أن تنحر نفسها على مذبح أُكذوبةٍ سوّقها الأعداء التاريخيون لهذه الأمة؟
٣- ثم هل شعوبنا العربية بأمراضها الإثنية والدينية والاجتماعية، وبتطلعها إلى الماضي ومحطات الفرقة والفتنة فيه، وبعماها تجاه المستقبل، أصبحت جاهزة لهذه الجرعة الضاربة من الديمقراطية؟

لنترك الإجابة على هذه الأسئلة لمحللي وباحثي المستقبل، فربما سيكونون أكثر موضوعية في الحكم كونهم لم يغرقوا في الأحداث بحكم الزمن.
أطلق مارتن لوثر عصر الإصلاح في أوروبا في النصف الأول من القرن السادس عشر، وبدأت الكنيسة تبتعد عن الدولة وإدارتها، ثم انطلقت الثورة الصناعية في بريطانيا العظمى، وتغير نمط حياة المجتمعات البشرية في أوروبا -دون الخوض في التفاصيل - حتى وصلت هذه الدول وفي مقدمتها اليوم أمريكا إلى نظام الإدارة الديمقراطي..الذي أصبحت تتوق إليه الشعوب كحل نهائي لمشاكلها..

إلى ذلك فالديمقراطية سلعة غربية تم تصنيعها في دول أوروبا محلياً، نتيجةً للتطور الطبيعي لمجتمعاتها ولم تفرض من الخارج، بعد أن تخلصت هذه المجتمعات من تسلط الكنيسة، وتخلصت من العلاقات الاجتماعية الكابحة للتطور، وانطلاق الثورة الصناعية، وتراكم الثروة وتشكل مجتمعات الوفرة.
واليوم تحولت الديمقراطية إلى أيديولوجيا بيد الدول القوية لتدمير سيادة الدول الأضعف وإركاعها، تمهيداً لنهب ثرواتها...فالشك يتزايد في ديمقراطية الدبابات والقاذفات التي استباحت الدول والشعوب وحولتها إلى رماد..وكأن المنطقة العربية قد قصفت بأسلحة نووية...فهي فعلاً ديمقراطية الدمار الشامل!!!

وربما اليقين في تجربة لي كيوان يو حكيم آسيا الذي صنع معجزة سنغافورة بعد أن رفض استيراد الديموقراطية الغربية، لقناعته بعدم جدواها في دول العالم الثالث، فقد تكون هذه التجربة الأقرب إلينا من الديمقراطية المفروضة من الخارج، هذا الخارج الذي لم يكن يوماً إلاّ مع مصالحه .

 


استطلاعات الرأي

يجب ان تختار خيار قبل ارسال التصويت
مع ارتفاع الأسعار هل غيرت ولاءك للماركات التي تفضلها؟
أستمر بشراء الماركه التي أفضلها بالرغم من ارتفاع الأسعار
أستغني عنها وأشتري شبيهاً بسعر أرخص
الهدف تأمين المنتجات بغض النظر عن الماركات بسبب فقدانها من الأسواق
النتائج
أستمر بشراء الماركه التي أفضلها بالرغم من ارتفاع الأسعار
أستغني عنها وأشتري شبيهاً بسعر أرخص
الهدف تأمين المنتجات بغض النظر عن الماركات بسبب فقدانها من الأسواق