مسؤولين أم مذهولين!

مسؤولين أم مذهولين!

لسنوات، راقبت مسؤولي الحكومة، جالستُ بعضهم، حضرتُ مقابلاتهم العديدة، فتشتُ في تصريحاتهم الكثيرة، تابعتُ جولاتهم المختلفة، أصغيتُ لنبرات صوتهم، تفحصتُ لغة جسدهم، اطلعتُ على بعض حواشي بريدهم، توقفتُ عند بعضها، تداولتُ قراراتهم وتعاميمهم، وتناولتُ بعضها، احتككتُ ببعض حاشتهم، تقفيتُ أثر الوشايات فيما بينهم، جمعتُ مفرداتهم، قاطعتها أكثر من مرة، كنت أبحث عن نتيجة ما، أو على الأقل أَمِلتُ أن أخرج بانطباع ما، وللأمانة: "كل النتائج والانطباعات التي خلصت إليها، ستبدو معروفة سلفاً لغالبيتكم، تتداولنوها فيما بينكم، تتندرون عليها في حساباتكم على مواقع التواصل الاجتماعي، تشتمونها علانيةً أو في سركم، تحملونها كامل بؤسكم، ثم تعودون إلى حياتكم الطبيعية!

هل قلت حياتكم طبيعية؟!.

 تلك التي تبدو لهم طبيعية، بالضبط هذا ما كنت أبحث عنه.

هذه الطبيعية: تفاجئهم، تصدمهم، تصفعهم، بمعنى أدق "تُذهلهم"، وتذهلهم هنا ليس بالمعنى الطبي الذي يشخص الذهول بانه حالة عدم إدراك حرجة تصيب المريض فلا يستجيب إلا لمنبهات أساسية مثل الألم، فالحكومات لا تتألم، على الأقل هي تمنح أعضاءها حصانة تجعلهم على مسافة آمنة من الألم، إلى ان يغادروا المنصب!، إنما تذهلهم بالمفهوم الدرامي، تماماً كذلك الظرف المثير غير المتوقع المزدحم بالمفارقات، تلك الحيرة البلهاء التي تنتاب المشاهد في ذروة التصعيد الدرامي، وقد بدأت الأحداث تأخذ تسلسلاً غير متوقع!.

في مشهد سريالي، على سبيل الاجابة عن سؤال: ماذا حدث في صباح اليوم التالي لرفع سعر مادة كالبنزين المدعوم بنسبة 130 ٪؟.. أتخيل أن مسؤول حكومي رفيع، ورفيع هنا من الرفعة في المنصب (رئيس حكومة مثلاً).. يمسح الشارع بنظرة عابرة من خلف زجاج نافذة سيارة فارهة.. كل شيء طبيعي، حركة سيارات اعتيادية، ليس هناك ما يوحي بأن قرار الأمس أثر على حياة الناس، يتفقد جيوب بدلته الرسمية، دون أن يبحث عن شيء محدد، يتظاهر بأنه يعدل من جلسته، تلتقي عيناه بعيني السائق في المرآة، يتمنى لو يصفعه بعبارة من قبيل: "شفت يا سيدي كل شي تمام"، يستعيد شريط ذكريات الأيام التي سبقت القرار، الكتب الكثيرة، المداولات، الأرقام، الاجتماعات، كيف ستكون ردة فعل الناس؟، كيف يمكن أن نبرر القرار؟، لحظة اتخاذ القرار، يتمتم في ذهول: الحياة طبيعية!.

في مشهد آخر: "السوريون في غالبيتهم رفضوا أو لنقل لم يهتموا لتقلي لقاح "كورونا"، ولم تسعفهم الظروف طيلة سنوات الوباء للتباعد المكاني، تراهم يتزاحمون على كوات الافران وفي باصات النقل الداخلي وعلى الصرافات "تقريبا يتزاحمون في كل مكان وعلى أي شيء" وبلا كمامات، أليس هذا كافياً ليصاب وزير الصحة بالذهول، كلما تفقد عدد الاصابات اليومية، كلما نظر من نافذة مكتبة، ورأى الناس تسير بتلقائية، ولا حتى "سعلة" واحدة جافة تخترق سمعه، ربما يقول في سره: "لقد أضعنا وقتنا في الاجتماعات وكتابة النشرات الاحترازية والاجراءات الوقائية.. هذا شعب لا تقهره الأوبئة!.

عندما انتشر فيديو للطالبة المتفوقة الفقيرة اليتيمة وشقيقتيها وأمهم عقب صدور نتائج الشهادة الثانوية العامة، أقصد ديالا غريب تلك التي ذرفت دموع الفرح، واعلنت انتصارها وقهرها للفقر، اتذكرونها؟، نعم تلك الفتاة وشقيقتها التي أصابتها عضة برد قبل الامتحان، هذه العائلة، لا أعتقد أنها أثارت عاطفة المسؤولين في (الكهرباء، والنفط، والتربية.. وغيرهم)، بقدر ما أصابتهم في ذهول!، يستعرض وزير التربية مثلاً أسماء المتفوقين، فيجد أبناء المدارس الحكومية في رأس قائمة الحاصلين على العلامات الكاملة، ثم يتابع باقي المتفوقين، حتماً سيمر على اسم ديالا غريب وعشرات الحالات التي تشبهها، كل محاولات التظاهر بالفخر في انجاز طلاب مدارس العامة على حساب مدارس الخاصة، لم تكن لتمحي علائم الذهول عن وجهه!، كيف يكون ذلك؟، يتساءل في حيرة!.. اساساً الوزارة تشجع الأهل حالياً ليدفعوا بأبنائهم نحو التعليم المهني، هذا التعليم لا يحتاج الى المتفوقين، ولا لمدارس المتميزين!.

يقرأ وزير الزراعة أرقام الأقماح المسلمة لمراكز الحبوب، وهي على قلتها: "يقطب جبينه، يرفع النظارات عينيه يفركهما ثم يعيد النظارات، ربما يتساءل في سره: "كيف قبل هؤلاء تسليم الأقماح؟، لا السعر مجزي!، ولا نحن قدمنا لهم ما وعدناهم به من وقود وأسمدة!، بالمناسبة، منذ عدة أيام رفعت الحكومة سعر الأسمدة، غالباً لن يتخلَ الفلاحون عن زراعة اراضيهم مهما كلفهم الأمر، ذلك سيزيد من ذهول الوزير ومعه اتحاد الفلاحين، ومعهم حق، أقصد معهم حق في أن يكونوا مذهولين!.

يطل وزير التجارة الداخلية برأسه من نافذة مكتبه، يراقب مدخل مشفى ابن النفيس، لا شيء يدل على زيادة وتيرة الحالات الاسعافية، ربما يخطر في باله الاتصال بوزير الصحة، ليساله ما إذا كانت تردهم حالات تعاني سوء التغذية، السوق يضح باشباه الأغذية، الأسعار كاوية، ماذا يأكل هؤلاء؟، يتساءل في ذهول!

(جميع وزراء الحكومة، المديرون العامون، المحافظون، نواب البرلمان، المسؤولون الحزبيون..)، كلهم بلا استثناء مذهولين، كلما صادفتهم إشارة تشي بأن الحياة طبيعية، في الشارع، في السوق، في المقاهي، في الباصات، في الحدائق العامة، في بريدهم اليومي.. تجدهم مذهوليـن غير مسؤولين!.

شارك برأيك .. لتكتمل الصورة


استطلاعات الرأي

يجب ان تختار خيار قبل ارسال التصويت
في ظل الظروف الحالية.. برأيكم ما هو السن المناسب للزواج بالنسبة للشباب في سورية؟
بين 25 و 30 سنة؟
من 30 الى 35 سنة؟
بين الـ 35 و الـ 40 عاماً
بعد الاربعين؟
النتائج
بين 25 و 30 سنة؟
من 30 الى 35 سنة؟
بين الـ 35 و الـ 40 عاماً
بعد الاربعين؟