معايدة رمضانية: نحن والصوم

معايدة رمضانية: نحن والصوم

موسكو - الشماس إيلاريون (داني) بشارة

يمتلك الإنسان بالفطرة لغات عدّة يخاطب بها خالقه. هذه اللغات تجعل حياته متمحورة حول علاقتنا مع الله والآخرة. فالمسلمون والمسيحيون يُتقنون هذه اللغات التي هي ركائز عقيدتهم مثل: الإيمان، التربية، الأخلاقيات الإجتماعية والمسلك الشخصي، وغيرها. ومن أهم الوسائل التي تساعد على إكتساب هذه اللغات هي الصوم.
ينسدل الصوم من ضمن هذه اللغات عند معظم الأديان. ويُعتَبَرْ الصوم لغة مشتركة للجميع ولكن تطبيقه يكون بأنماط مختلفة. فلكل ديانة غاية إيمانية يكون هدفها التواصل مع الله بما يوافق معتقده. فالصوم في المسيّحية هو مرحلة لضبط النفس والجسد بوتيرة مستمرة خلال الصوم وإلى ما بعده. أي نمط حياة بشري – إلهي يقتنيه الصائم في الصوم ليعمَّ عليه وعلى المجتمع بالخلاص. وفي الإسلام، هو طريقة إيمانية تعبيرية يمارسها الصائم للتكفير عن الذنوب في الآخرة. يكون إكتساب هذا بعدة أساليب مجتمعة، منها: الإنقطاع عن الطعام طيلة النهار، مساعدة المحتاجين، قراءة القرآن، الزكاة،...إلخ. فالصوم في مفهوم الجميع هو استمطار مراحم الله علينا. وهنا يستوقفني الحوار الشعري الذي حصل عام 1895م بين الشيخ الفاضل رشيد نفّاع والبطريرك الأرثوذكسي غريغوريوس الرابع حداد (بطريرك العرب). وفيه يُرشِدانا كِلاهما إلى الطرق المثلى للصوم، ألا وهي قراءة الكتب السماوية والصلاة. حيث يكتب الشيخ رشيد للبطريرك:
وبوقُ بشارة الإنجيل يدعو                         بني الدنيا إلى الإيمان أهلا
ويجاوبه البطريرك:
    أيا قوّامَ ليلٍ في صلاةٍ                          وثقلُ الصومِ خفَّ عليك حملا
إن هدف الأديان هو إبقاء الإنسان في تواصل دائم مع الخالق. هذا التواصل هو تعبيرٌ شكريٌّ من البشر إلى المانح العطايا. لذلك له فقط تسجد كل ركُبةٍ على الإرض. لأن الله عزَّ جلاله موجود معنا بسلامنا ومحبتنا لبعضنا البعض. فالصوم والسجود لله هما لُغتان جسديّتان نقدّمهما لإكتساب لغةٍ روحية نتواصل بها مع الله لفهم تدبيره. لذا، نختتِمُ أصوامنا بأعيادٍ أساسية في الإسلام والمسيحية. ففي الإسلام نختم صوم شهر رمضان (شهر نزول القرآن) بعيد الفطر السعيد حيث قال ابن عرابي أنَّ سبب تسمية العيد بهذا الاسم هو أنَّه يعود بالفرح المتجدد على المسلمين كل عام، وقال العلاَّمة ابن العابدين في ذلك: "إنَّ العيد يُسمى هكذا لأنَّه عوائدَ الإحسان لله تعالى. وفي المسيحية نختتم الصوم الأربعيني (ذو الأربعين يوماً) بعيد الفصح المجيد (الفصح = العبور او الإنتقال إلى علاقة مع الله) الذي نعتبره في المسيحية هو عيد الأعياد وموسم المواسم.
بهذا نجد أنَّ التنظيم البشري يدعو إلى تناغمٍ مشتركٍ بين جميع الأديان ليبقى الصوم مستمراً بلا إنقطاع طيلة أيام السنة. تعبيراً منا للخالق عن تمجيدنا وتمركزُهُ في حياتنا. فمنذ أسبوعين مَضَوا أنهينا نحن المسيحيين صومنا وها هم مُسلمونا يصومون رمضانَهم. ها نحن قد قدّم كل واحد منا شكراً، بحسب قدرته، يليق بالخالق رحمةً منه علينا، والآن أنتم تكنزون لكم كنوزَ رحمةٍ في الجنة. وبهذا يُنعم على ساجديه بالرحمة والسلوان. لأنَّ رحمة الله تتجسّد بأن نخلق نهجاً واضحاً لكل العالم بأنَّ الله رحيمٌ قيّومٌ يرحم مَنْ يرحم ويُخلّصُ مَنْ يشاء.
فأعايدكم بهذا الشهر الفضيل المرافق للشهر الفصحي لدينا نحن المسيحيين. طالباً من الله أن يُنعِمَ على المسلمين، أينما حلّوا، بالبركة والشكران. ومن روسيا -–موسكو إلى أصقاع العالم نُرسل محبَتنا ودعاءَنا ليحفظنا الله ثابتين في المحبة.
مع محبتي
الشماس (الأب) إيلاريون بشارة
موسكو
16 رمضان 1441ه
9 أيار 2020م

 

إضافة تعليق