"صرخة سلاميّة"ولكن أين السلام الذي نريده؟

"صرخة سلاميّة"ولكن أين السلام الذي نريده؟

موسكو - الشماس إيلاريون (داني) بشارة

في عالمنا المعاصر تتوجه الأنظار إلى إحلال سلامٍ عادلٍ وشامل. إنَّ هذا لرائع. لكنَّ السؤال الأهم هنا،: تحت أي ستار ينسدل هذا السلام؟. كما نعلم أنَّ هناك مفاهيم عديدة للسلام، التي في أصداء مجتمعنا، ولكن للأسف تفتقر إلى الحقيقة والثبات. لذا، ضمن هذا الأسطر القليلة سنبحث ببعض المفاهيم السلامية الحقيقية على مستوى العالم، المجتمع، الأديان وعلى المستوى الشخصي الذي هو محور كل تلك المفاهيم. وبالتالي سنبدأ كلامنا إبتداءاً عن السلام من المستوى الضيّق إي الشخصي حتى نصل إلى السلام العالمي.

السلام الشخصي:
تتمحور حياتنا اليومية بمرور النهار دون صعوبات ومشاكل. فهل هذا السكون عائد لك كشخص أم للمحيطين بك؟ طبعاً يعود لك. فكيف تحقق أيها الإنسان سلامك الداخلي الشخصي؟
يتغذى السلام في ذواتنا من تلك الوصايا التي سلمنا إياها الله مسيحياً كنت أم مسلماً، أم بوذياً، أم مُلحداً، أم ... إنَّ الله رأى كل شيءٍ حسناً عندما جبل وخلق آدم الأول. ومن بعدها تشارك الإنسان مع الطبيعة من خلال السلام. هذا السلام منحه إياه الله ليعيش بتوافق مع الخليقة. وبالتالي أصبح الإنسان هو منفذاً للسلام المُعطى من الله من جهة، وسيّداً على الخليقة من جهة أخرى. فعندما تقبّل الإنسان السلام من الله أصبح منفتحاً داخلياً إلى الخارج (الخليقة). وبالتالي مرَّ السلام عن طريقه لينتقل إلى الخليقة، وبدورها اغتنت منه أولاً الثقة والأمان. ليس لأن الإنسان جيد فقط، بل لأن الله نصّبه عليها. وبكلمته أنه "كان حسناً" أطاعت الخليقة للإنسان الأول. فسمّى آدم الحيوانات والطيور وعاش بسلامٍ مع الطبيعة التي تسلّمها بحالةٍ سلامية ليتورجية (تك 20:2). هذه الصورة المتكاملة من ثالوث التكوين يعطي الإنسان دوراً جوهرياً في التكوين. وبالتالي فإنَّ القبول بأخذ السلام من الله وحده يجعله يؤثر بالمحيطين به. فالإنطلاق يبدأ منّي أنا شخصياً بعيداً عن المعطيات التي تمنع غايتي بالتحوّل إلى خليقة جديدة سلامية كما خلقها الله منذ البدء.
السلام المجتمعي:
بقدر غاية الإنسان  في الوصول إلى الوجود الحقيقي، التي هي غاية وجوده على هذه الأرض، يقتنص الإنسان مكانه في العيش السلامي مع الله. فالحياة السلامية لا تأتي فقط بعد الموت، كما يفهمها البعض، بل هي تبدأ مع بداية حياتنا على هذه الأرض مع الخليقة والمجتمع المحيطان بنا. وكما أنَّه كان لآدم تأثير على المحيط، فهكذا أيضاً يترتب علينا أن نقوم بهذا الدور. فالسلام هنا لا يأتي عبثاً بمجرّد التعامل مع الآخر فقط، بل يبدأ معي وينتهي بداخلي (أي مع الله). فأنفتح باحترامي ومحبتي مع الآخرين ليمنحوني سلاماً إجتماعياً كفيلٌ ببناء مجتمعٍ يعمّه الهدوء والسلام. مع هذه الأخلاق الدينية البسيطة، التي تنحدر ضمن تعاليم الأديان، أنتصر على الواقع الأليم.
كما نرى في وقتنا الحاضر، فقد فقدنا السلام فتفرّقنا. وبدأ المجتمع في حالة مخاض دائمة من النعرات الطائفية والدينية. لأنَّ الكثيرين ينطلقون من أفكار ومعتقدات جماعية لا فردية. فلو عاد الشخص إلى ذاته وفكّر بما يفعله سينتبه ويعرف إلى أين ستأخذه نتائج هذا الفيضان الفكري في المجتمع. فالمياه بحد ذاتها مفيدة للإنسان وللطبيعة ولكنها لو أتت بشكل طوفان هائل ستدمر كل ما يأتي بطريقها. هكذا هو حال واقعنا اليوم. معظعهم يظنون بأنهم بالقوة وضخ الأفكار الجديدة، يدعون إلى السلام  من خلال التسامح الديني  وقبول الواقع كما هو والإستسلام له. هذه الشعارات تبقى شعارات ما لم يعود كل إنسان إلى ذاته ويعيد العلاقة مع الله. لأنَّ التكامل السلامي يفرض وجود الله محوراً أساسياً فيه. فالأصح أن أبدأ أنا من داخلي بعرض واقعٍ سلامي أستخدمه مع نفسي  على المستوى الشخصي أولاً  وأمتدُّ به إلى مستوى أوسع، أي مع المحيطين بي ثانياً. وبالتالي يتّسع النطاق لنكون جماعة واحدة. وبمعنى آخر، يجب أن يكون لهؤلاء الراغبين  في الحصول على السلام الحقيقي ضلعاً سلامياً من الله (كما فعل الله مع حواء عند خلقها) لتصحيح هذا المجتمع. أو أن يلجؤوا إلى الجَنّبِ النابع الحياة، جَنَبِ المصلوب.
إنَّ مجتمعنا بحاجة إلى المحبة والتضحية والمبادرة الشخصية والإلتزام بالمبادىء الأخلاقية والدينية و... وهذا سر فشل المبادرات التي ترتكز على الممالقات والمصالح الشخصية في استمرار البلبال. ورغم كل هذا، ما زالت أرضنا وأولادنا ينادون بالسلام الحقيقي رغم صمت الأفواه. إنَّ أصواتهم الفردية تؤنّب ضمير الكاذبين فيبعدون الصارخين ويُصميتونَهم. وبالتالي يصرخ البعض كما ذكرنا سابقاً، بأنَّه إن لم ترغب بالسلام، ففسح المجال لغيرك. لأنك لا تستطيع أن تفرض حقدك على خليقة حسنة وتُظهر لها أنك سلامي. فالمشكلة حتى الآن هي مشكلة داخلية مرتبطة بمجموعة سكانية يقطنون على مساحة جغرافية واحدة. أما على مستوى السلام العالمي، فسنرى.
السلام العالمي:
وما أروع هذا السلام في حين تحقيقه. حيث تطاير الأحلام في فضاء الرغبات. وتتدفق في طياته الأمن والاستقرار والسعادة في الأوطان. وبهذا السلام ندخل البلدان وتغرّد الآمال بخطابات ساخنة تلتمس مآسي الشعوب. وتترجم رغباتهم بالحرية بصواريخ تنتقل عبر القارات. ويزهّر الطموح في ربوع المدافن. وتسقط الصعوبات ببكاء الأمهات والأرامل. ويجتمع الكل حول طاولات مستديرة يناقشون المشاكل التي هم أنشأوها. ويصرّحون بضرورة الوقوف مع الشعوب المظلومة والشعوب المهجّرة والشعوب الفقيرة، بحيث يجمعون الأموال لمساعدتهم. استيقظ أيها القارئ. فكل ما سمحته هو ملحمة جميلة الكلمات وتنقلك إلى الفردوس، ولكن، كل هذا سلامٌ مزوّر. لأن سلام الإنسان لا ينطلق من قوانين وعقوبات ومساعدات وغيرها. سلام الإنسان يبدأ منه  وليس من الخارج. وحتى هذه اللحظة نحمد الله على وجود ترابط بين السلام الديني والشخصي وهو الذي يدفعنا للتفاؤل والرغبة في الحياة أكثر من تلك الشعارات. حيث أننا بتفاؤلنا ننتقل من هذا الواقع المؤلم إلى الواقع الحقيقي الذي منحه الله لآدم عند الخلق. هذه الإرادة والسلام الداخليان، الديني والشخصي، خميرة جيّدة لتحقيق السلام الحقيقي العادل والشامل.
إنَّ الخطأ الحاصل الآن هو أنَّهم يدعون لتحقيق السلام العالمي أولاً ومن ثمَّ السلام المجتمعي والشخصي وغيره. فكل ما نشاهده ونسمع عنه هو مزوّر بمضمونه وبنتائجه. وإن صحَّ التعبير هو خداع للإنسانية. إننا نملك السلام الداخلي فاتركونا نعيش طفولتنا وشبابنا ونحن من بعدها نصنع السلام لكل شخص طالباً السلام. ومن هنا تنطلق الكنيسة من قولها: "من أجل سلام العالم وحسن ثبات كنائس الله المقدسة، إلى الرب نطلب".
إنَّ هذه الصرخة الإيمانية تدوّي في أروقة الأبينية العالمية الفارغة وناطحات السحاب. وتغنينا عن كل المبادرات الواهية والتي تستغبي الإنسان. إذاً نحن صنّاع سلامٍ من أجسادنا، من بيوتنا، من كنائسنا، ومن مجتمعاتنا. فدعونا نحققه لندعم سلامكم العالمي.

 

 

إضافة تعليق