العالم بوجهه الأمريكي

العالم بوجهه الأمريكي

د. عصام التكروري

التوابيت المحشوة بالأمريكيين طالما سببت لي حالة من الحيرة لا أحسد نفسي عليها، فغالبا ما أجدني  ممزقاً ما بين واجبي الأخلاقي بالدعاء للميت بالرقود بسلام، وبين ذاكرتي التي تجد في موت كل أمريكي ـ بعمل قتالي أونتيجة للطواف الروتيني للملاك عزرائيل ـ مناسبةً جنائزية لاستعراض ملايين التوابيت لبشرٍ من لحم ودم قتلهم الأمريكيون لسبب وحيد وهو أنَّهم  لم يُخلقوا أمريكيين، ومع ذلك لا استطيع أن اخفي شعوري بالراحة لرحيل أي مسؤول سياسي أمريكي ـ وكان آخرهم جورج بوش الأب ـ وذلك لقناعتي التامة بأن العالم سيكون أفضل بعد رحيلهم ، فالتاريخ  يثبت أن كل المسؤولين الأمريكيين لديهم ألف سبب لإعمال السكين في رقاب البشر لكن يستحيل عليهم أنْ يجدوا مبررا يتيما لاستمرارهم أحياء، السيرة الذاتية للجريمة على الطريقة الأمريكية رسَّخها جورج واشنطن (1789ـ 1798 ) المعروف لدى السكان الأصليين للقارة الأمريكية " بمُدمّر البلدات" "، لقبٌ استحقه بجدارة بعد قيامه بإزالة حضارة الايروكوا بهدف توسيع الحدود الأمريكية غربا باتجاه المسيسبي، مُعظم الذين انخرطوا في مقاومة الجيش الغازي من الهنود الحمر تمَّت إبادتهم ، أما من بقي منهم حياً فقد أجبرهم حاكم نيويورك على تقديم تعويض عن الجهد الذي بذله جنوده في ذبح أقارب الهنود الأحياء، هذا التعويض ـ بحسب نعوم تشومسكي ـ لخّصه حاكم نيويورك بالجملة التالية : " عليكم أن تتنازلوا عن أراضيكم وأن تساعدوا في استصلاحها ومن ثم تفريغها،" ليرد عليه محمود درويش في عام 1992 بالقول على لسان أحد الناجين من الهنود الحمر:
يا سَيِّدَ الخْيَلِ! عَلِّمْ حِصانَكَ أَنْ يَعْتَذِرْ
لِروحِ الطَّبيعَةِ عَمَّا صَنَعْتَ بِأَشْجارِنا:
آه ! يا أُخْتِيَ الشَّجرةْ
لَقَدْ عَذَّبوك كَما عَذَّبُوني
فلا تطلبي المْغَفرَةْ
لحطَّابِ أُمي وأُمكْ ...
المجد الذي جناه جورج واشنطن من جرائم التطهير العرقي تلك شكّل عقدة حقيقة للثماني والعشرين رئيساً الذين تلوه إذ فشلوا جميعا بإيجاد شعب يبيدونه حتى يخلّدهم التاريخ الأمريكي، وحده الرئيس التاسع والعشرين للولايات المتحدة وودروويلسون ( 1913ـ 1921 ) استطاع كسر تلك العقدة حينما اكتشف ـ وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى ـ أنّ العرب هم أفضل المرشحين ليكونوا الهنود الحمر للعصر الحديث. حرب الإبادة التي شنّها ويلسون ضدَ أبناء منطقتنا  بدأت عندما أجبر مؤتمر الصلح ـ المُنعقد في باريس في 22/10/1918 ـ على الأخذ بمبدأ "حق الشعوب في تقرير مصيرها،"  وبالتالي إرسال ـ لجنة (كينغ ـ غران ) إلى  سوريا وفلسطين لاستفتاء الشعب  إما على قبول الانتداب أوالحصول على الاستقلال، ويلسون برر موقفه " الإنساني "هذا بالقول  " إننا ( الأمريكيون ) نعتنق مُثلاً عُليا سامية ونحن مكرَّسون لقضية الإصلاح والاستقرار في العالم " لذلك فإن "مسؤولية واشنطن على الصعيد الخارجي هي أنْ تضمنَ وجود مقاليد الحكم في أيدي الأخيار على قلّتهم، وعلى عاتق هذه الصفوة يقعُ خيار حفظ الاستقرار ومكارم الأخلاق."
في الواقع  كان الهدف الوحيد لويلسون من هذا التصريح هو إجبار فرنسا وبريطانيا على الاعتراف بمصالح الولايات المتحدة في عالم ما بعد سقوط إمبراطورية بني عثمان، وعليه فما أن تعهدت فرنسا وبريطانيا ( المذعورتان من احتمال سقوط اتفاق سايكس ـ بيكو)  بالحفاظ على مصالح واشنطن في المنطقة حتى بارك  ويلسون اتفاق سايكس ـ بيكو، وبادر  إلى سحب تقرير لجنة (كينغ ـ غران) التي توصلت إلى أنَّ ثلاثة أرباع سكان ما عُرف لاحقا بسوريا ولبنان وفلسطين والأردن يرفضون الانتداب ويريدون الاستقلال، بالنسبة لويلسون فإن مصالح واشنطن تتفوق على حرية الشعوب وبالتالي ـ وبحسب تعبيره ـ يكون " من الطبيعي أن تتقدم مصالحنا إلى الأمام لما تتصف به هذه المصالح من حب للغير، وعليه يجب ألا تعمد الأمم إلى مخاصمتنا أوالعمل ضدنا " ويلسون أرسى " قاعدة العار" التي ثابر كل من بعده على تبنيها، قاعدة تعتمد على تبني أرقى القيم الإنسانية والعمل على تحقيرها.
من جورج واشنطن إلى دونالد ترامب كان للولايات المتحدة هدف واحد وحيد ألا وهو تغيير وجه العالم، العالم بوجهه الأمريكي سيكون أشبه بوجه رجل خرج للتو من عملية تجميل أجراه له طبيب بيطري بأدوات جزّار .

 

 

 

 

إضافة تعليق