"نصوص قانونية غائبة والمتهم القدر" الأخطاء الطبية جمر يغطيه الرماد

"نصوص قانونية غائبة والمتهم القدر" الأخطاء الطبية جمر يغطيه الرماد

المشهد - خاص

لم يكن أهل الشاب "فريد نوفل" يعلمون أنّهم يأخذون ابنهم إلى حتفه حينما نقلوه إلى المستشفى، "نوفل" الذي وصل إلى مستشفى السويداء الوطني حوالي الساعة الواحدة ظهراً بحالة فقدان وعي إثر احتشاء في العضلة القلبية تطوّر لجلطة دماغية، لكن وبعد الوصول إلى الإسعاف تبيّن افتقاد القسم لطبيب أخصائي فيما تتواجد طبيبة مقيمة وعدد من الممرضات.

لا يزال مسلسل الأخطاء الطبية مستمراً، بل إّنه أصبح ظاهرة تقع بشكل شبه يومي نتيجة للإهمال والعبث والتقصير في بعض المستشفيات دون رقيب أو حسيب، مترافقة مع ثقافة الصّمت السّائد في التّعامل مع الأخطاء الطبيّة وغياب الرّقابة من الجهات المختصّة وتحديداً من وزارة الصّحة ونقابة الأطباء، حتى باتت الأخطاء الطّبية كابوساً يقض مضاجع المرضى.
من المؤسف أن يدخل المريض للمعالجة في مستشفى خاص أو عام، حتّى يخرج جثّة هامدة،أو مصاباً بعاهة دائمة أو بضرر أكبر من إصابته السّابقة، ولكن في الحقيقة هذا هو حال الطّفل لؤي، الذي لم يعد قادراُ على الحركة بعد أن كانت ضحكاته وحركاته تملأ البيت.
 ففي الثلاثين من آذار الفائت، وحينما كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، تواجد والد الطفل في أحد مشافي دمشق الخاصة، بعد أن أجرى الأطباء الفحوصات اللازمة للطفل، وأبلغوا والد الطفل بأن لؤي بات جاهزاً لإجراء عملية استئصال اللوزتين، وبأن مدة العملية بحدها الأقصى لن يتجاوز الساعة.

مرّ الوقت بطيئاً على والد الطفل نصف ساعة ثم ساعة ثم أكثر من ساعة، وبعد أن كان يستعد لسماع خبر نجاح العملية، جاء الخبر الصادم للوالد بدخول طفله في غيبوبة، لؤي ذاك الطفل الشقي كما يصفه والده وابن العشر أعوام بات اليوم حبيس سرير المرض بعد أن تعرض دماغه لتلف تجاوزت نسبته 80 %، بسبب توقف جهاز الأوكسجين في غرفة العمليات وفقاً للتقارير الطبية الخاصة.

وكانت حادثة لؤي قد دفعت بالأهل إلى رفع دعوى قضائية ضد المستشفى، ليتوقف على أثرها الأطباء المتهمين والمسؤولين عن حالة الطفل على ذمة التحقيق لمدة ساعات ومن ثم الافراج عنهم، مستغلين جهل والد الطفل حيث طلبوا منه كما قال والد الطفل بالتوقيع على أربع أوراق، دون أن يعرف ما المكتوب فيها، الأمر الذي برَّأهم من نتيجة أخطاءهم، ليضيف والد الطفل بأن قضية لؤي لا تزال متداولة في المحاكم إلى اليوم "ولن أتنازل عن حق طفلي،" ولا يزال المتهمون خارج قضبان الاعتقال بعد مضي أشهر من وقوعها.

محمد ضحية جديدة للأخطاء الطبية، فبعد أن توجه لإحدى المشافي الحكومية في دمشق من أجل إجراء عملية الزائدة الدودية، خرج من المشفى بإعاقة شبه دائمة، محمد الذي أنصفه تقرير اللجنة المشكًّلة في الحادثة وحمَّل الأطبَّاء مسؤولية الخطأ الطبي، ليفاجأ وبعد أن رفع دعوى ضد الأطباء في المحكمة من تغيير نتائج اللجنة من خلال تشكيل لجنة جديدة نسفت في تقريرها -الذي حمل الكثير من المغالطات كتاريخ انعقاد هذه اللجنة والذي يظهر انعقادها قبل وقوع حادثة محمد- نتائج تقرير اللجنة الأولى المشكّلة في الحادثة، لتبرىء محكمة الاستئناف بعد ذلك الأطباء المشرفين على حالة محمد.

حالات مشابهة
في حالة مشابهة لما مر به محمد، تحدثت زوجة عن مأساة زوجها، لتختصر كلامها بعبارة "توفي زوجي فجأة" بسبب تركيب صمام لم يناسب قلبه في أحد المشافي الخاصة.

وتقول الزوجة  للمشهد إن المأساة التي حلّت على عائلتنا بشكل مفاجئ كانت بسبب خطأ طبي من الطبيب الذي خرج إلينا بأعصاب باردة ليعلن وفاة زوجي لعدم استجابة جسده للعملية!

وفي محاولة من الأهل لرفع دعوى على المستشفى والأطباء المسؤولين، تتفاجأ الزوجة بحديث المحامي الذي أخبرها أن الدعوى ستكلف الكثير من دون نتيجة مضمونة لأنه لم يسبق لأحد أن تقدم بشكوى على الطبيب أو المستشفى وجاءت النتائج لصالحه في ظل غياب تام للقانون.

الشابة (ديمة) التي فارقت الحياة قبل نصف شهر بسبب خطأ طبي ناتج عن إهمال الأطباء المعالجين وتقصيرهم الواضح، جاء ليفتح ملف الأخطاء الطبية من جديد، حيث تحدث مقرب من ذوي الشابة للمشهد بأن ديمة فارقت الحياة عن طريق نقل دم مختلف عن زمرة دمها، الامر الذي سبب الى وفاتها على الفور، مؤكداً أنَّ مثل هذا الخطأ ناتج عن استهتار شديد وواضح من قبل الكادر الطبي المسؤول ويعتبر جريمة، مطالباً بتدخل الجهات المعنية وفتح تحقيق فوري لمعرفة الأسباب والمسبب، على أمل أن ينصف القانون ديمة.

هذه الحالات التي أدت إلى مفارقة الحياة وإلى إعاقات شبه دائمة، هي مجرد حالات من بين مئات الحالات التي تحدث في سورية، لتبقى وزارة الصحة والعدل في صمتٍ يشبه صمت القبور، حيث تعد الأخطاء الطبية من أكثر الظواهر التي تؤرق السوريين، وخاصةً بعد تكرارها في ظل التقصير في بعض المستشفيات والكوادر الطبية وغياب الرقابة من الجهات المسؤولة.

سياسة الكمكرة!!
أكد مصدر في وزارة الصحة للمشهد أنه لا يوجد إحصاء دقيق عن الأخطاء الطبية في سورية، والسبب يعود حول هذا الموضوع بسبب غياب ثقافة الشكوى لا بل انعدامها، بحسب قول،. موضحاً، أن وزارة الصحة لا تتكتم عن الأخطاء الطبية، ولا تحمي الطبيب الذي يخطئ ويجب محاسبته، ودائما نحن مع  المواطن.

وكشف المصدر، أن للنقابة دوراً في محاسبة الأطباء الذين يرتكبون أخطاءً طبيةً إذا كانت صادرة من الطبيب بينما تكون مسؤولية الوزارة إذا كانت الأخطاء صادرة من المشافي، موضحاً أن الأخطاء الطبية مقسومة لعدة أقسام من الطبيب والتمريض والمشافي.

وبيّن المصدر أنه يجب التمييز بين الخطأ الطبي والاختلاط، فالأول يحاسب عليه الطبيب بحسب الخطأ الذي ارتكبه بينما الثاني فهو وارد في كل دول العالم ضارباً مثلًا أحياناً بعملية تكون نسبة الوفيات فيها 2 بالمئة فيمكن أن يتوفى الشخص الذي أجرى العملية من ضمن نسبة الفشل بعدما أجري له كل الإجراءات والوسائل لإنجاح العملية وبالتالي هذا لا يمكن محاسبة الطبيب عليه وأشار إلى أن الخطأ المقصود يعتبر جرماً ويحاسب الطبيب على أنه مجرم ويحاسب جزائياً عن خطئه.

ورغم غياب الإحصائيات الرسمية، فإن الأخطاء الطبية تتنوّع وتزداد من عام إلى آخر، حيث أكد مصدر في وزارة الصحة ” للمشهد“ أنه خلال الشهرين الماضين تم تقديم 15 شكوى حول أخطاء طبية أدت إلى موت أو إصابة المريض بأذية دائمة، وقد توزعت حالات الأخطاء الطبية في محافظات حلب، اللاذقية، درعا ودمشق، وجميعها حدثت في مستشفيات خاصة.

وبحسب المصدر، فقد قامت وزارة الصحة بتوجيه تعميم إلى مديريات الصحة في المناطق والمحافظات كافةً للإبلاغ الفوري عن الأحداث الجسيمة خلال 48 ساعة من وقوعها، تحت طائلة المساءلة فيما إذا امتنعت أو تباطأت المنشآت التابعة لوزارة الصحة ومنشآت القطاع الخاص في الإبلاغ، أو عدم إجراء التحليل الجذري للحدث الجسيم أو عدم تطبيق التوصيات اللازمة.

وبحسب التعميم فإن الأحداث الجسيمة المطلوب الإبلاغ عنها تشمل الأخطاء الطبية وحالات الوفاة غير المتوقعة، وحالات فقد عضو أو وظيفة، والحرائق، والانتحار، والاغتصاب، والأخطاء الدوائية، والجراحة الخاطئة، ونسيان أدوات طبية داخل المريض، ووفيات الأمهات.

قانون ولكن!؟
مصدر في نقابة الأطباء تحدث "للمشهد" بأن ملف الأخطاء الطبية معقد جداً، خاصة فيما يتعلق بالقوانين المرتبطة بهذا الملف وغياب النصوص الواضحة بشأن قضايا الإهمال والأخطاء الطبية، لأن هناك خصوصية لمهنة الطب، فالطبيب الذي أفنى حياته ليصل إلى هذه المرحلة ورأس ماله هو سمعته وفي حال تم اعتقاله على شبهة خطأ طبي ثم تبين عدم وجود هذا الخطأ من قبل اللجان الفنية بالتالي من سيعوض هذا الطبيب، لذلك نحن نصر على عدم اعتقال الطبيب إلا بصدور قرار قضائي قاطع بحقه غير قابل للطعن والاستئناف وبعد وجود لجان فنية أثبتت هذا الخطأ الطبي وتكون نقابة الأطباء فيها صفة محورية في هذه اللجان .

كما أكد المصدر أن النقابة في العادة تتخذ إجراءات صارمة وواضحة فيما يتعلق بالأخطاء الطبية لكنها تصر على رفض الاعتقال، لأن هذا الطبيب غير مجرم وهو دخل لإجراء العملية بنية إنقاذ المريض ويود مساعدة المريض، وحدوث مثل هذه الاعتقالات ستؤدي إلى نتائج وخيمة على الجسم الطبي، وسيمتنع الأطباء عن معالجة الحالات الصعبة، مما سيساهم بارتفاع معدل الوفيات، يعني أن المريض الذي يأتي في حالة توقف للقلب سيمتنع الطبيب عن عملية الإنعاش القلبي لأنه سيُتّهم بقتله وسيُزج به في السجن، لذلك جاءت اتفاقية النقابة مع النيابة العامة بعدم التسرع في اعتقال الأطباء قبل صدور تقارير اللجان الفنية وإعطاء نقابة الأطباء دور محوري فيها.

وطالب المصدر بضرورة وجود قوانين وبروتوكولات للتقليل من الأخطاء الطبية، وفي حال التعويض عن الخطأ الطبي تصر النقابة على أن التعويض يجب أن يقع على عاتق المؤسسة المشغّلة وليس على الطبيب، سواء كانت المؤسسة حكومية أو خاصة ومن هنا تنبع أهمية وجود تأمين خاصٍ للأخطاء الطبية والذي نفتقده في سورية.

أحد المحامين والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، قال إنه لا يوجد قوانين رادعة ولا مساءلة، وبأن هناك أطباء قاموا بارتكاب أخطاء طبية كثيرة ولم تتم ملاحقتهم، بل على العكس نتابعهم عبر الفضائيات وهم يكسبون المزيد من الشهرة، لا بل يتحدثون عن كيفية تفادي الأخطاء الطبية، مضيفاً، بأن أعقد المشاكل التي تظهر في دعاوى مساءلة الأطباء عن أخطائهم المهنية هي مسألة الإثبات، فالمريض عليه أن يثبت وقوع الخطأ الذي أحدث الضرر، لافتاً إلى أن معظم المتضررين أو ذويهم لا يقدمون على رفع دعاوى قضائية ضد من يعتبرونهم السبب في الخطأ الطبي، وذلك لأسباب عدة، منها ارتفاع تكلفة الخدمة القانونية، والتكهن المسبق بأن القضية خاسرة، والصعوبة البالغة في إثبات الخطأ الطبي على الطبيب، أو على المستشفى، أو من كان له يد في هذا الخطأ؟

ثقة معدومة
حتى الشارع أبدى استياءه من الاستهتار بأرواح الناس، إذ يقول أحد المواطنين  للمشهد، أن السبب الرئيس لانتشار الخطأ الطبي هو الإهمال والاستهتار بالأرواح، مع ضعف بالرقابة والمحاسبة، فلو أن الطبيب والكادر المساعد لديه تصور مسبق بوجود جهات لا تتهاون في المحاسبة في حال الخطأ لتفادينا الكثير من الأخطاء.
وأضاف: إن مهنة الطب مهنة إنسانية، وعلى الطبيب أن يحكمّ ضميره قبل كل شيء، مبينا أن المواطن لا يتقدم بشكاوى لأنه على يقين مسبق أنه لن يستفيد شيئاً وأن الجهات المعنية ستقف إلى جانب الطبيب على حساب الضحية. مواطن آخر، أبدا استغرابه من أن أغلب الأخطاء الطبية تحدث فقط مع المرضى "المعترين" والفقراء بينما أصحاب النفوذ والمال لا تحدث معهم أخطاء طبية، لافتا إلى أن الثقة اليوم معدومة بين الطبيب والمريض وأنه خلال سنوات الأزمة اعتاد مراجعة أكثر من طبيب في حال اشتكى من أي عارض صحي، وأحياناً يلجأ إلى الإنترنت للتأكد من المعلومات التي ذكرها الطبيب، مبيناً أن ما يسمعه من قبل الأصدقاء والأقارب حول الإهمال الطبي وعدم الاكتراث بشأن المريض أمر مخيف.

في الختام، كل هذا الاستهتار بالأرواح والتراجع في مستوى الطب، يدفعنا للاستنفار الكامل، وقرع جرس الإنذار لإيقاف هذه الفواجع بالأرواح ورفع الصوت عالياً عن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة من الانحطاط الطبي، بسبب ثلة قليلة من الذين يسيئون إلى أقدس مهنة، وحتى لو كانت نسبتهم ضئيلة جدا،ً فلماذا يسمح لهذه القلة بالإساءة لسمعة الطبيب السوري الذي يشهد القاصي والداني بكفاءته العلمية وإنسانيته؟

 

إضافة تعليق