تحييد العامل النفسي مطلوب.. ولكن!

تحييد العامل النفسي مطلوب.. ولكن!

بعد صمته لأكثر من شهر على ما يجري في سوق الصرف، خرج مصرف سوريا المركزي أمس ببيان مقتضب ليعلن أنه مستمر بمراقبة استقرار سعر الصرف في السوق المحلية، واتخاذ جميع الوسائل والإجراءات الممكنة لإعادة التوازن الى الليرة السورية، ومتابعة ومعالجة كافة العمليات غير المشروعة التي تنال من استقرار سعر الصرف.

غالباً "المركزي" يحاول من خلال هذا البيان تحييد العامل النفسي الذي كان يدفع بالناس (اصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة) في الاسابيع الأخيرة من العام الفائت للتخلص من الليرة، لحماية قيمة رأس مالهم، إما باستبدالها بعملات أجنبية او بالذهب او بدرجة أقل في شراء اصول كالعقارات او السيارات، ما فتح شهية المضاربين لتحصيل أعلى رقم ممكن من المكاسب.

تحييد العامل النفسي ضروري و"المركزي" تأخر في محاولة تبديد هواجس الناس تجاه مصير عملتهم بأن بقي صامتاً كل تلك المدة، لا سيما ان حالة البطء في دورة راس المال التي شهدناها في الربع الأخير من العام الفائت، نتيجة نقص المحروقات وارتفاع تكاليف العمل، خلقت حالة من الشك لدى كثير من الفعاليات الاقتصادية، وذهبت باتجاه وقف عملها إما كلياً او جزئياً، وفي كلا الحالتين كان هناك بحث عن ملاذات آمنة لرأس المال، الامر الذي ساهم بزيادة حجم المعروض من الأموال المعطلة بالليرات السورية.

بيان المركزي رغم ضبابيته يبقى افضل من الصمت، لكن البيان إن صحت تسميته ببيان، كالعادة لم يفصح عن تلك الاجراءات التي يتبعها لتحقيق استقرار في سعر الصرف، ما يفتح المجال للتكهن، بأنها لن تختلف عن إجراءات سابقة زجرية كالضرب على أيدي المضاربين والتشدد في ملاحقة المتعاملين بغير الليرة (تلك الإجراءات لم تنجح في تحقيق استقرار طويل الامد لكنها أجلت الوصول إلى أرقام قاسية من الانخفاض في سعر الليرة).

مع نهاية اليوم الاول من العام 2023 حققت الليرة السورية بعض المكاسب قياساً بما كانت عليه قبل يومين، وهذا جيد لكنه غير كافٍ، و"المركزي" لم يضع هدفاً محدداً لإجراءاته، بمعنى لم يعلن عن سعر اقتصادي توازني لليرة يسعى لتحقيقه، هو فقط تحدث عن الاستقرار، وبذلك يبقى معيار نجاح تلك الاجراءات أو فشها غير معروف، والتجارب السابقة لم تكن مشجعة لجهة أن الاستقرار الذي تحققه سياسات "المركزي" يكون أقرب إلى آخر سعر مسجل في السوق الموازية وليس من نقطة البداية (بداية الانخفاض)، وهو استقرار لفترة محدودة مع غياب العوامل الاقتصادية الأخرى كزيادة معدلات الانتاج وتنامي قيمة الصادرات.

طبعاً يمكن للمركزي حالياً كما تمكن سابقاً من تحييد المضاربين، والتشدد في تطبيق قانون التعامل بغير الليرة، وهو يعلم اكثر من غيره ان حجم الانخفاض بـقيمة الليرة الناتج عن المضاربة ليس كل المشكلة، طالما ان هناك طلب كبير وحقيقي على القطع لا يمكن تجاهله على الاقل لتلبية فاتورة الاستيراد، مقابل ضعف كبير في عائدات التصدير، وعليه فإن الضخ الإعلامي المبالغ فيه لجهة تحسن سعر صرف الليرة قد يأتي بنتائج عكسية ما لم يستند إلى إجراءات اقتصادية ومالية قادرة على تحقيق استقرار طويل الأمد.

على كل حال يملك المركزي ورقة قوية لموازنة سعر الصرف، أساسها أن الفعاليات الاقتصادية أول الرابحين من الاستقرار طويل الأمد، لكن ذلك يحتاج لنوعين من التدخل الأول يكون عبر تأمين القطع اللازم لعمليات الاستيراد بالوقت المناسب، وأي تأخير في ذلك كما يحصل حالياً سينعش السوق الموازية، والثاني التخفيف قدر الإمكان من الإجراءات الزجرية لرفع قيمة الليرة، والسماح بدوران سريع وسلس لرأس المال، وهذا يحتاج إلى تشبيك وتنسيق مع اللجنة الاقتصادية في الحكومة ووضعها أمام مسؤولياتها لتأمين متطلبات الانتاج والعمل.

 

شارك برأيك .. لتكتمل الصورة


استطلاعات الرأي

يجب ان تختار خيار قبل ارسال التصويت
ما هو تقييمكم لتجربة التتبع الالكتروني للميكروباصات Gps
جيدة.. ساهمت بحل أزمة النقل الداخلي
مقبولة.. خففت من الازدحام وساعات الانتظار
سيئة.. لا زال هناك ازدحام وخاصة في ساعات الذروة
النتائج
جيدة.. ساهمت بحل أزمة النقل الداخلي
مقبولة.. خففت من الازدحام وساعات الانتظار
سيئة.. لا زال هناك ازدحام وخاصة في ساعات الذروة