خبير اقتصادي: سيتحول القطاع المصرفي السوري في عام 2026 من دور انكماشي محدود الى تنموي فاعل
قال الخبير الاقتصادي حسام عايش لصحيفة الثورة السورية أن سوريا تقف اليوم عند منعطف نقدي بعد أكثر من 14 عاماً من العزلة والعقوبات والانكماش، مشيراً إلى بدء ظهور بدايات أولية للتعافي، مدعومة بتحسن سعر الصرف، وتراجع التضخم، وارتفاع تحويلات المغتربين، وعودة قنوات التواصل مع المؤسسات المالية الدولية.
وأضاف عايش للصحيفة: إن العقوبات السابقة أوقفت النشاط المصرفي السوري مع العالم الخارجي، وجعلت النظام المصرفي يقتصر على إدارة ودائع أغلبها حكومية نتيجة ضعف ثقة المواطنين أو لأسباب تتعلق بالتحويلات النقدية لدعم النفقات المعيشية.
لكن هذه المؤشرات وحدها لا تكفي للحكم على جاهزية النظام المصرفي، إلا إذا ترجمت إلى قدرة فعلية على تمويل التجارة، ودعم إعادة الإعمار، وتعزيز الشمول المالي، وفق الخبير الاقتصادي
ورجح عايش أن يتحول القطاع المصرفي السوري في عام 2026 من دور انكماشي محدود، اقتصر لسنوات طويلة على إدارة السيولة وتسيير الحد الأدنى، إلى دور تنموي فاعل يشكل إحدى ركائز التعافي الاقتصادي الحقيقي.
ويشمل هذا الدور بحسب عايش، تمويل الإنتاج والاستثمار والاستهلاك، خصوصاً في القطاعات القادرة على قيادة النمو مثل الزراعة والصناعة التحويلية والطاقة والبناء، والتي تشكل أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي.
كما يتضمن تمويل مشاريع إعادة الإعمار، التي تتطلب استثمارات بعشرات مليارات الدولارات، وتتراوح التقديرات بين 250 و400 مليار دولار، ويصعب تغطيتها من الخزينة أو الإيرادات أو المساعدات وحدها.
ويُضاف إلى ما سبق، استثمار التحويلات الخارجية بدل أن تقتصر على دور استهلاكي، حيث بلغت في 2025 نحو أربعة مليارات دولار، لتحويلها إلى ودائع طويلة الأجل وأدوات استثمارية تعزز تراكم رأس المال المحلي ودعم النمو المستدام.
وأشار عايش إلى أن هذا الدور يشمل أيضاً تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 90 بالمئة من الاقتصاد السوري، مؤكداً أن القطاع المصرفي سيكون الركيزة الأساسية لتعافي الاقتصاد الحقيقي.
أوضح عايش أن الجاهزية التشريعية أفضل مقارنة بالسنوات الماضية، مع تطوير قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والالتزام بمعايير بازل، والتعاون مع صندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأميركية، إضافة إلى استراتيجية القطاع المصرفي التي تضع سوريا ضمن الحد المقبول للتعامل مع النظام المالي الإقليمي والدولي.
لكن الجاهزية التقنية لا تزال “الحلقة الأضعف”، حيث تعاني المصارف من بنية رقمية متأخرة في أنظمة الدفع ومحدودية الربط مع الشبكات المالية الدولية والإقليمية. ورغم وجود اتفاقيات تعاون مثل “فيزا”، فإن تطوير القدرات التقنية يتطلب استثمارات كبيرة وبناء قدرات بشرية متخصصة لضمان الانخراط الفعّال.
ورأى أن المرحلة المقبلة تتطلب إجراءات متكاملة لضمان مساهمة القطاع المصرفي في استقرار سعر الصرف وتحفيز النمو الاقتصادي، وتشمل: ترسيخ الانضباط النقدي، بما في ذلك الحد من تمويل عجز الموازنة، لضبط التضخم وتعزيز الثقة بالليرة السورية، وتوحيد أسعار الصرف واعتماد سياسة ربط مرنة ومدارة تقلل التقلبات والمضاربة، وإعادة بناء الثقة المصرفية عبر ضمان الودائع، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وتقليل المخاطر، لتشجيع الأفراد والشركات على إعادة أموالهم للنظام المصرفي الرسمي.
كما تتضمن: توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية والاستثمارية لدعم النمو وخلق فرص العمل، واستعادة قنوات التمويل الرسمية والتجارة الدولية، بما في ذلك نظام سويفت والاعتمادات المستندية، لإعادة الربط بسلاسة مع التوريد الإقليمي، وتطوير أدوات مصرفية مبتكرة، مثل صناديق تمويل إنتاجية ومنتجات ادخارية واستثمارية جديدة.
وبرأي الخبير الاقتصادي، فإن نجاح هذا الدور مرتبط بالقدرة على الجمع بين التشريعات الحديثة، وتطوير البنية التقنية والانضباط المالي، متوقعاً أن يكون القطاع المصرفي “عربة القطار الاقتصادي” التي تقود مسيرة التعافي، وتعيد سوريا إلى النظام المالي والتجاري الدولي.






