من "فم" الحكومة!

من "فم" الحكومة!

لم نصل إلى هذه المرحلة الاقتصادية الخطرة بسبب تأثير العقوبات الغربية فقط، علماً أن البعض كان مع بداية إقرار قانون "قيصر" يستخف بتلك العقوبات، ويعتبر إثارتها من باب التهويل!
ما وصلنا إليه، كان أيضاً بسبب ضعف الأداء العام الداخلي، وفي كل القطاعات...
هنا سأذكر مثالاً مر مرور الكرام، على خطورته، عند مناقشة موازنة العام 2021..
ففي البيان المالي للحكومة المقدم إلى مجلس الشعب وردت عبارة، صنفت من بين سبعة مخاطر مالية تواجه مشروع الموازنة العامة للدولة للعام الحالي. 
العبارة كما وردت حرفياً تقول: عدم طرح مشاريع ذات جدوى اقتصادية وموردة للخزينة لتمويلها بالأوراق المالية الحكومية.
عندما تعجز حكومة مؤلفة من 27 وزارة عن طرح مشروع إنتاجي ذي جدوى اقتصادية، فمن الطبيعي أن يصل اقتصاد البلاد إلى هذه المرحلة، التي تتباين الآراء حول توصيفها، بين من يعتبرها تدهوراً خطراً للغاية، وبين من ينظر إليها كمرحلة مؤقتة فرضتها ظروف معينة.
ولعل ما يدعم استنتاجنا هذا، هو تصريحات الفريق الحكومي قبل موجة التضخم الأخيرة، التي إما أنها كانت تبشر بتحسن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وحدث العكس تماماً، أو أنها كانت تقلل من حجم المشكلة الاقتصادية وخطورتها!
ويمكن لأي منا أن يعود بالزمن قليلاً إلى الوراء، ويستعرض بعضاً من هذه التصريحات "المتفائلة" ويقارن ما ورد فيها بما آلت إليه الأوضاع حالياً من تدهور فاق كل التصورات والتوقعات.
وحتى عندما فضّلت الحكومة سياسة الصمت كما هو حالها حالياً، فهي كانت أبلغ رسالة عجز وضعف ترسلها إلى الرأي العام.
هذا العجز الذي نتحدث عنه، ونحترق كمواطنين اليوم بنتائجه، له أسبابه التي يمكن اختزالها في سببين رئيسيين هما:
السبب الأول، ويتمثل في الشخصيات التي جرى اختيارها لإدارة ومتابعة الملفين الاقتصادي والخدمي، وأثبتت التجربة أن معظم تلك الشخصيات قد تصلح لعمل استشاري وليس لعمل تنفيذي، للتدريس في الجامعات وليس لإدارة اقتصاد بلد، لتكون بين جمهور المتفرجين على المدرجات وليس بين اللاعبين على أرض الملعب...إلخ.
لكن للأسف هناك من كان يتعلم باقتصادنا ويتدرب بلقمة معيشتنا، ولا أعرف ماذا سيكتب غداً في سيرته الذاتية.. هل سيكون أمينا ويقول الحقيقة؟ أم سيلقي بالمسؤولية كلها على العقوبات، ويتحجج بمحدودية الصلاحيات الممنوحة له؟
أما السبب الثاني، فهو في بيئة العمل التي لم تعد الدولة هي الحاضرة الوحيدة فيها، إذ إن سنوات الحرب والعقوبات فرضت أطرافاً أخرى تبدو أحياناً أكثر تأثيراً ونفوذاً من الدولة نفسها، وأقصد هنا أثرياء الحرب، مافيا التهريب، وشبكات الفساد الواسعة. أطراف باتت مؤثرة في ملفات عديدة كملفي الطلب على القطع الأجنبي، والقطاع غير المنظم.
وكما قلت في مقالات سابقة، قد لا نكون قادرين على معالجة الأزمات المعيشية لأسباب محلية وخارجية، لكن هناك فرصة للتخفيف من أثارها وإعادة إنتاج تجربة الثمانينات بسياسات وإجراءات مختلفة، تضمن دوران عجلة الإنتاج المحلي على أوسع نطلق ممكن، وهذا سيكون كفيلاً، إن تحقق فعلاً، بحل مشاكل كثيرة، ومحاصرة أخرى.
إنما هذا بحاجة إلى نمط تفكير مختلف جذرياً عن السائد حالياً، وإلى صلاحيات تجعل جميع مؤسسات الدولة على اختلاف مهامها ومسؤولياتها معنية بتنفيذ السياسات والخطط التي تقر  للوصول إلى تحقيق الهدفين السابق ذكرهما.

شارك برأيك .. لتكتمل الصورة


استطلاعات الرأي

يجب ان تختار خيار قبل ارسال التصويت
هل تفضل تنظيم الإعلانات والتسويق الإلكتروني على الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي؟
نعم
كلا
ليس لدي رأي نهائي بالموضوع
النتائج
نعم
كلا
ليس لدي رأي نهائي بالموضوع