بين الكلمة والمسبة!

بين الكلمة والمسبة!

كان من الطبيعي أن نصل إلى هذه المرحلة...
مرحلة لم يعد فيها ما يرضي الناس سوى "المسبة" عند تناول الشأن العام والهموم المعيشية، وتالياً فكل ما يكتبه الزملاء من مواد صحفية موضوعية وحرفية، على قلتها، باتت "بضاعة" غير مرغوبة، أو لا يكترث بها الكثيرون!
قبل ظهور صفحات التواصل الاجتماعي، كانت الكلمة تفعل فعلها في الشارع وعند المسؤول، آنذاك كان النقد في وسائل الإعلام يترجم بالتحليل والبيانات والأفكار، لا بالمسبات والشتيمة والتجريح الشخصي..!
والأمثلة كثيرة جداً... فوسائل الإعلام التقليدية كانت شريكة في صنع القرار الحكومي بما كانت تقدمه من معلومات وأفكار وتحقيقات، في حين أن هم الجميع اليوم هو اتقاء "شر" شبكات التواصل الاجتماعي!
فما الذي أفقد الكلمة بريقها ورهبتها؟ وما الذي جعل المسبة معياراً لمستوى "الجرأة" في نقد الواقع؟
باعتقادي هناك ثلاثة أسباب أوصلتنا إلى هذه المرحلة المؤسفة...
السبب الأول يتمثل في إضعاف الإعلام التقليدي مؤسساتياً ومهنياً، وكثيراً ما نبهنا إلى خطورة هذا الأمر، لكن للأسف معظم الحكومات كانت مصرة على وأد هذا الإعلام بطريقة أو بأخرى، وإفراغه من كفاءاته وخبراته... ومن مضمونه ومحتواه الجاد والعميق.
السبب الثاني يكمن في تعويم شبكات التواصل الاجتماعي والتفاعل معها كوسيلة إعلامية ومنبر للرأي العام في فترة من الفترات، هذا في وقت كانت وسائل الإعلام التقليدية عاجزة للأسباب السابقة عن ممارسة دورها في متابعة قضايا المواطنين، مراقبة أداء مؤسسات الدولة، وملاحقة ملفات الفساد، فكان أن تولت شبكات التواصل المتحررة من أي قيود قانونية أو مؤسساتية أو مهنية هذا الدور... تارة بعقلانية وهي حالات قليلة جداً، وتارة أخرى بلا أدنى مسؤولية أخلاقية ومهنية، وهو الشائع والأكثر استقطاباً للاهتمام الشعبي...!
السبب الثالث يتعلق بحالة الإحباط واليأس التي يمر بها المواطن نتيجة بطء عملية الإصلاح ومكافحة الفساد داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، وتراجع الأوضاع المعيشية لدرجة مخيفة وذلك بالتزامن مع ازدياد سلطة أمراء الحرب والفساد. حالة إما استغلها البعض لتقديم أنفسهم "ظاهرياً" كمناصرين لقضايا المواطنين من دون اكتراث للطريقة والأسلوب، أو  كانت حافزاً للبعض ليعبر عن غضبه بمنشورات شخصية بعيدة عن لغة الحوار والعقل... وبعيدة أيضاً عن أي حسابات أو غايات أخرى....
لهذا غدت "المسبة" على شبكات التواصل الاجتماعي جرأة تشفي "غليل" شريحة من الناس عما تعانيه من سوء في الخدمات العامة والأوضاع المعيشية...
وغدت الشتيمة قصاصاً في ضوء غياب الإجراءات المنتظرة منذ سنوات لمحاكمة الفاسدين وسارقي لقمة العيش..
وغدت تهمة الفساد حكماً مسبقاً على كل من يعمل بالشأن العام، لأن خيارات التعيين وشغل المناصب كانت غالباً ما تناقض أبسط معايير الكفاءة والنزاهة...
إذاً.... ما العمل؟
هل الحل يكمن في ملاحقة كل "بوست" يكتب... وكل خير ينشر على شبكات التواصل الاجتماعي وتالياً تطبيق قانون التواصل على الشبكة؟
إن مثل هذا الخيار المتبع حالياً لن يقود شعبياً سوى إلى زيادة الانتقاد والاحتقان الشعبي، بدليل أنه خلال السنوات الماضية تم توقيف كثيرين وإحالتهم على القضاء.. لكن استمر النقد و"التهجم" الشخصي والمؤسساتي على شبكات التواصل الاجتماعي... وسوف يستمر!
لذلك فإن الحل الأمثل يكمن في إعادة الاعتبار للإعلام التقليدي مجتمعياً، وإصلاح مؤسساته وفق برنامج عملي يخلو من التنظير والمحسوبيات، وهذا أمر يحتاج لسنوات في ظل ما تعرضت له وسائل الإعلام التقليدي من تشويه بنيوي واستنزاف بشري...

شارك برأيك .. لتكتمل الصورة


استطلاعات الرأي

يجب ان تختار خيار قبل ارسال التصويت
هل تفضل تنظيم الإعلانات والتسويق الإلكتروني على الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي؟
نعم
كلا
ليس لدي رأي نهائي بالموضوع
النتائج
نعم
كلا
ليس لدي رأي نهائي بالموضوع