شارع شيكاغو .. كيف أنقذ سمعة الدراما السورية؟

شارع شيكاغو .. كيف أنقذ سمعة الدراما السورية؟

المشهد - خاص
ماتزال الأنباء عن إنتاج جزء ثان  من مسلسل "شارع شيكاغو"  غير محسومة، فما حققه  المسلسل من ضجة منذ الكشف  عن "البوستر"، الأساسي  للعمل، وصولا إلى الحلقة  الأخيرة، قد يدفع الجهة المنتجة  للذهاب نحو استثمار ما حققه  المسلسل الأكثر جرأة في تاريخ  الدراما السورية من نجاح، ولم  يحصر المؤلف والمخرج "محمد  عبد العزيز"، جرأة المسلسل  بالمشاهد الحميمة وحسب،  بل في طروحات غير مسبوقة  على مستوى العمل الدرامي  في سورية، فالإنطلاق من  فكرة "التنوع السوري"، كأساس  للمجتمع والبناء على قصة عشق  تنتهي بجريمة قد يبررها المجتمع    بأنها "جريمة بدافع شريف"، على  الرغم من أن منفذها شخصية  سلبية تستثمر نفوذها السلطوي  لتحقيق مكاسب شخصية من  خلال سلسلة من الجرائم، كما  إن القصص الموازية للحكاية  الرئيسية حملت الكثير من  المفاهيم التي يجب إعادة النظر  فيها، فالحكايا الثانوية التي  طرحها الكاتب في عمله لم تكن  تقل أهمية من حيث الطرح  الأساس.

الكاتب تجرأ على طرق باب  المحرمات الدينية من خلال  مناقشة الإخوان المسلمين  وكيفية استخدامهم للشعارات  الدينية لستر مآرب أخرى،  وكيفية توظيفهم لشخصيات  غير متدينة لتنفيذ هذه المآرب،

كما إن معالجة قضيتين في  آن معاً هما "التاريخ"، و "حياة  اللقيط"، في المجتمع السوري  من خلال شخصية "شمس"،  التي وجدت نفسها مولودة في  "ماخور"، لتتحول إلى إحدى  عاملاته قبل هروبها نحو "شارع  شيكاغو"، دفعها لصناعة تاريخ  جديد يتناسب وكل زبون، وهنا  يطرح الكاتب جدلية "إعادة كتابة  التاريخ"، من منطلق بسيط  يمكن من خلاله فهم آلية  اختراع التاريخ وفقاً لما يناسب  المستفيد، ففي كل مرة تقص  "شمس"، حكاية مختلفة عن  ماضيها وطريقة فقدانها لذويها  في محاولة منها لخلق نوع من  القبول المجتمعي لها وإخفاء  حقيقة كونها "لقيطة"، وبالتالي  يحق للمتلقي السؤال، كم تاريخ  لمنطقتنا..؟

لم يناقش شارع شيكاغو  تفاصيل الحياة الدمشقية في  ستينات القرن الماضي، وعليه  لم يكن المسلسل تاريخياً أو  توثيقا لمرحلة ما من عمر  الجمهورية السورية، إلا أنه لم  يغفل ضرورة أن يفهم المتلقي  تعقيدات المرحلة التي خلقت  فيها الحكاية الأساسية والتي  تتمثل بقصة الحب التي جمعت  بين "مراد عكاش"، و "عفاف  الكاتب"، وإن كان "مراد"  شخصية من أصول كردية،  وصحفي متمرد على الوحدة  مع مصر بسبب أفعال الحكومة  آنذاك والتي كان من بينها  "التأميم والإصلاح الزراعي"،  وإطلاق يد "السراج"، من خلال  تسلمه إدارة وزارتي "الاوقاف  - الداخلية"، في محاولة منه  للقبض على كامل مفاصل  المجتمع آنذاك، فهو في الوقت  ذاته عاشق من الطراز الرفيع،  سجن نفسه في "عالم ميرامار"،  بعد خروجه من السجن نتيجة  لقضية دبرها له شقيق ميرامار  الذي استفاد من سلطويته  كضابط في المخابرات التي  كانت تعرف آنذاك بـ "المكتب  الثاني"، كما أن عمق شخصية  "عفاف"، التي تحول اسمها على  يد حبيبها إلى "ميرمار"، يأتي  من المزاوجة بين ميلها الصوفي  والفني، ورغبتها بالتمرد على  المجتمع الذي حاصرها بالكثير  من المفاهيم نتيجة فقدانها  للبصر أولًا ومن ثم وقوعها في  العشق، وانتهت الحكاية بمقتلها  ذبحاً بالسكين على يد شقيقها  التوأم فقط لأنها أنجبت من زواج  لم يكن موافقاً عليه، وتعارض  في مرحلة ما مع احتمالية  استمرارية رحلة صعوده لسلم  السلطة والنفوذ، واللافت أن  الكاتب جعل من أمر القتل يصدر  عن "السراج"، لأن في قصة  العشق التي تربط بين أخت أحد  ضباط مخابراته مع أحد معارضي  الوحدة ما يحرجه أمام "المشير  عبد الحكيم عامر".

الكاتب الذي هرب من مقص  الرقابة في الكثير من المشاهد  بطريقة ذكية، وجه رسالة قد  تكون قاسية بعض الشيء  للقائمين على الرقابة الدرامية  في سورية من خلال مشهد  جمع بين "مراد - ميرمار"،  يبحثان فيه عن عنوان لمقال لا  تحاسبه عليه المخابرات، فكان أن  اتفقا على "من تحت لـ تحت"،  ليكون أسلوب "شارع شيكاغو"،  في توجيه الرسائل المجتمعية  قائما على هذه الجملة خشية  من أن يلاقي المسلسل مصير  "ترجمان الأشواق"، الذي تعرض  للقصقصة ثلاث مرات من قبل  الرقابة قبل أن يتم عرضه، الأمر  الذي يظهر من خلاله الكاتب  ذاتيته ومعاناته في صناعة دراما  لا تقف عند حدود الرقيب الذي  لم يطور من أدواته أو يقوم  بإنهاء بعض الممنوعات على  الرغم من الحاجة المجتمعية  لتجاوز هذه الممنوعات، كمثل  مناقشة الموروثات المجتمعية  التي تجرد المرأة من أبسط  حقوقها الإنسانية، أو مناقشة  تاريخ "يهود دمشق"، خصوصاً  واليهود العرب عموماً في مرحلة  ما بعد ضياع فلسطين، وما عاناه  هؤلاء من اضطهاد سلطوي  ومجتمعي نتيجة لتعميم  اتهامهم بالعمالة لصالح الحركة  الصهيونية وتحمليهم جزء من  المسؤولية عن ضياع فلسطين  واحتلالها، الأمر الذي طرحه  بشكل غير مباشر "محمد عبد  العزيز"، مع مزاوجته في حكاية  عشق تجمع "جورجيت اليهودية"،  بـ "حسني المسيحي"، والتي  انتهت بسفرهما إلى الارجنتين  للزواج، وكأن الكاتب هنا يصوب  على ضرورة قبول المجتمع  بالعشق العابر لحدود العرق  والدين، مع أهمية قوننة الزواج  المدني في سورية، وهي قضية  يعاد تداولها بين الحين والآخر عبر  مواقع التواصل الاجتماعي دون  أي توجه إلى إصدار قانون يبيح  الزواج المدني كبديل لمن يرغب  عن الزواج الديني، كما إن هذا  الأسلوب والحديث عن مرحلة  تاريخية ما جعل من السهل مرور  مشهد "ستيلا"، و "أم رياض"،  يمر بشكل عابر حين جلسا ليشربا  نخب "الحيطان اللي إلها أذان".

النهايات المفتوحة للحكايا  الموازية التي ذهب إليها "عبد  العزيز"، قد تكون حجر أساس  لبناء الجزء الثاني، لكنها في  الأصل متناسبة مع طروحات  كل حكاية على حدى، فقصة  الحب التي جمعت بين القاصرة  "سمر"، والشاب "جواد"، انتهت  بهروب الفتاة نتيجة للسلطوية  الأبوية المفرطة التي مارسها  "مطر - تيسير إدريس"، على  بنته الصغرى خشية من تكرار  ما فعلته أختها الكبرى "سماهر  - أمل عرفة"، وقد طرح الكاتب  مسألة بالغة التعقيد في  القوانين السورية تتمثل بإمكانية  أن يطلب الأب اعتقال ابنته من  قبل الشرطة ما إن يقدم "إذاعة  بحث"، عنها بحجة هروبها من  البيت، فتتحول إلى "خارجة عن  القانون"، فقط لأن والدها قرر  ذلك، وهذا الامر يحتاج إلى  إعادة نظر من قبل المشرع  خاصة وإن مهمة الشرطة هنا  تنحصر بإلقاء القبض على الفتاة  وإعادة تسليمها لذويها، والامر  هنا قد يفضي إلى جريمة قتل،  كما إن الكاتب اختار "الضياع"،  والنهاية المجهولة المصير لكل  من "سمر - جواد"، من خلال  اجتيازهما للجبال التي تفصل  الأراضي السورية عن اللبنانية،  وتتشابه النهاية من حيث جهالة  المصير مع نهاية قصة العشق  بين "يوسف - وائل رمضان"،  مع "ميس - نادين الجندي"، إذ  قرر الكاتب إعادة تكرار التاريخ من  خلال انهيار الانفاق التي حفرت  للبحث عن "الذهب الرشيدي"،  التي كان قد بدأها الإخواني "عبد  الجبار- فايز قزق"، وهنا يحاول  الكاتب أيضاً التذكير بـ "كنوز  دمشق"، من خلال حكاية الذهب  مع مجموعة من الاختيارات  الذكية لأماكن التصوير في  المنازل الدمشقية القديمة التي  تحوي بعضها على أساطير مثل  "حكاية الأفعى المدورة"، في  سقف منزل "رشدي بيك"، وهذا  ما كان متناسباً من حيث اللغة  الشفافة التي اختارها الكاتب  لحديث بعض الشخصيات  وخاصة "ميرمار - مراد"، عن  سحرية دمشق وحبها.

الذهاب نحو الأساطير والحكاية  الدينية، دفع الكاتب لاختيار  "مار موسى الحبشي"، لتكون  مكاناً لنهاية المسلسل، فـ  "برهان"، الذي قتل اخته قرر  وهب طفلتها للدير الذي بناه  القديس الذي كان "قاطع  طريق"، قبل أن يتحول لواحد  من أكثر الشخصيات الدينية  إيماناً وإخلاصاً لتلامذته، والذي  قضى مدافعاً عن "الدير"، الذي  بناه في عمق سلسلة الجبال  الفاصلة بين سورية ولبنان،  وضمن منطقة شبه صحراوية،  كما إن الكاتب طرح "كنيسة باب  كيسان"، لتكون ملاذا للعاشقين  المسلمين "مراد - ميرمار"،  مذكراً بقصة حماية الدمشقيين  للقديس "بولس الرسول"، في  محاولة منه للتذكير بـ "التنوع  الديني والعرقي"، كواحدة من  أقوى وأهم الثروات السورية،  وهذا ما يحسب للعمل الذي  إن هاجمه المحافظون نتيجة  لطرحه "القبلة"، أو "المشاهد  الحميمة"، والعودة إلى نوعية  من الأزياء النسائية التي كانت  دارجة في ذاك الوقت، فإنه  لم يتطرق نهائيا لتعميم البيئة  التي ناقشها على كامل الأحياء  الدمشقية.

وقع المسلسل في عدد من  الاخطاء الإخراجية أو النصية،  مثل استخدام بوسترات أفلام  ظهرت معلقة على جدار "سينما  الدنيا"، لم تكن قد انتجت بعد  خلال الفترة التي اختارها الكاتب  لتكون زمناً لحكايته، إضافة  لغناء ميرمار لبعض المقطوعات  من أغان لم تكن قد صدرت  في تلك الفترة، كما إن بعض  الجمل التي استخدمت لم تكن  صحيحة مثل قول "الحوت"، ل  "مراد"، أن زوجته ميرمار "بعد  سنة طلعت حامل منه"، في  إشارة منه على مرور عام على  اعتقالهما، إلا أن المخرج الذي  أظهر الكثير من ذاتيته في النص،  تمكن من تحويل السينما إلى  مكان آمن للعشاق، ومعبد يقام  فيه طقوس الزواج، إضافة إلى  الذهاب نحو صناعة موسيقا  تصويرية بفكر متطور نسبياً، كأن  تكون الموسيقا معزوفة على  آلة تتناسب وبيئة كل مشهد،  ففي حين ظهر الخط البدوي في  الحلقتين الأخيرتين، كانت الربابة  حاضرة لتكون الآلة الموسيقية  الأكثر بروزاً في الموسيقا، وعلى  هذا المقياس يمكن القول أن  استخدام "المعد الموسيقي"،  إلى جانب "مؤلف الموسيقا  التصويرية"، ضروري لبناء توأمة  بين المشهد والموسيقا في كل  تغيير للبيئة النصية والبصرية.

قدم عبد العزيز مجموعة من  الشبان في مسلسله تميزوا  بأخذ المساحة الصحيحة لترك  بصمتهم الخاصة، من أهمهم  "مهران نعمو"، الذي لعب  شخصية "القاق"، و "علا  سعيد"، التي لعبت شخصية  "شمس"، إضافة إلى "خالد  شباط"، الذي لعب شخصية  "تيم"، و "ريام كفارنة"، التي  نفذت أول وأكثر المشاهد جرأة    في المسلسل، كما أن المخرج  أفرد مساحة هامة لكل من  "وسيم الرحبي"، الذي نفذ  واحداً من أصعب المشاهد من  خلال تعذيبه على يد "برهان"،  إضافة لطبيعية مدهشة من  "نظلي الرواس"، وحضور  محبب ل "جوان خضر"، ليظهر  كممثل عال المستوى تمكن  من موازاة "جمال القبش"،  الذي نفذ مشهد التعري والقبر  بحرفية لا تقل عن أي  ممثل عالمي، وإن  كان اختيار "سلاف  فواخرجي"، غير  مقنع نتيجة لعدم  مناسبة عمر سلاف  للعمر الافتراضي  للشخصية، فإن  "مهيار خضور"،  تمكن من تقديم  شخصية متفردة  على مستوى الأداء،  ولا ينقص "عباس  النوري"، الأدوات  ليقدم شخصية  "مراد"، الكهل بصورة  مختلفة عن كل ما  قدمه سابقاً، إلا أن  "فايز قزق"، لم يكن  مجدداً في أدائه خلال  المسلسل الذي كانت  شخصية "الشيخ  عبد الجبار"، مساحة  تمكنه من الاشتغال  أكثر على بنية  الشخصية الداخلية.

ربما لم تكن نهاية  حكاية العشق بين "مراد -  ميرمار"، مرضية للكثيرين من  متابعي المسلسل، إلا أنه  تمكن من الموازنة بين المتعة  والفائدة، والمزاوجة انتاجياً  بين العمق والتجارية، كما أنه  فتح الباب على إعادة مناقشة  مرحلة ما بعد الاستقلال في  سورية، وإعادة انتاجها درامياً،  لكونها تعرف عند البعض بـ  "الزمن الذهبي"، في عمر سورية  الحديثة.
 

شارك برأيك .. لتكتمل الصورة


استطلاعات الرأي

يجب ان تختار خيار قبل ارسال التصويت
بعد بدء تطبيق توزيع الرز والسكر التمويني عبر الرسائل كيف وجدتم هذه الطريقة؟
لم تساعد بتخفيف الأزمة
خطوة إيجابية ساهمت بتخفيف الازدحام
النتائج
لم تساعد بتخفيف الأزمة
خطوة إيجابية ساهمت بتخفيف الازدحام