الدعم والحقائق المشوهة

الدعم والحقائق المشوهة

خلال أكثر من أربعة عقود دأبت الحكومات السورية على إيلاء الوضع المعيشي للمواطن السوري أهمية خاصة وكان الدعم هو الأداة الأكثر استخداماً في تحسين الوضع المعيشي فدعمت الحكومات الخبز والكهرباء والمشتقات النفطية والمواد الغذائية الأساسية كالأرز والسكر والزيت.

خلال حقبة التسعينات لم يشكل الدعم ضغوطاً كبيرة على الحكومة لأسباب عديدة أبرزها:ارتفاع إنتاج النفط الخام السوري وانخفاض أسعار النفط عالمياً والانفتاح الاقتصادي ورفع العقوبات الاقتصادية وتدفق المساعدات والاستثمارات الخارجية لاسيما بعد حرب الخليج.
ولكن ومنذ مطلع العقد الماضي بدأت الظروف بالتغير: حيث بدأ إنتاج النفط الخام السوري بالانخفاض وبدأت أسعار النفط بالارتفاع وأصبح موضوع تلبية احتياجات المواطنين من المازوت يشكل عامل ضغط على الحكومة السورية هذا من جهة ومن جهة أخرى بدأت الظروف السياسية الدولية بالتغير لا سيما بعد هجمات أيلول فتراجعت الاستثمارات الخارجية وصولاً إلى حالة الحصار المطبق التي نعيشها حاليا والتي تتميز اقتصاديا بـ:
توقف إيرادات الحكومة من النفط بشكل حرم الموازنة العامة للدولة من أهم مواردها وإيراداتها.
العقوبات المفروضة على سورية والتي تزيد من صعوبة وتكاليف تأمين المواد الأساسية.
انهيار قيمة الليرة السورية أمام العملات الاجنبية حيث وصل الانهيار إلى مستويات قياسية.
هذه العوامل دفعت الحكومة السورية إلى إعادة تقييم سياسات الدعم لتصل إلى نتائج يستطيع أي باحث اقتصادي التوصل إليها من خلال الإمعان في التفكير:
يتم استنزاف جزء كبير من الدعم من قبل فئات غير مستحقة.
يتم هدر كبير من الدعم لاسيما لموضوع الخبز.
أصبحت تكاليف الدعم تشكل عبئاً هائلاً على كاهل الموازنة العامة للدولة.
لم تعد الحكومة قادرة على الاستمرار بنفس السياسات السابقة.
ولكن المتتبع لإجراءات الحكومة يشاهد تخبطاً رهيباً في آلية إدارة الملف:
فمن جهة هي واثقة انها لا تستطيع الاستمرار بالوضع الحالي.
وهي واثقة أيضا أن إعادة ادارة الملف بطريقة ممنهجة سيكون لها آثار ايجابية كبيرة على الطبقات الأكثر فقراً.
ومن جهة ثانية ولأسباب لا يعلمها إلا الله لا تملك الجرأة لمخاطبة المواطنين بالحقيقة الكاملة.
وهنا أتسائل كأي اقتصادي: لماذا لا يخرج الفريق الاقتصادي ويعقد مؤتمراً صحفياً يسمي الأشياء بمسمياتها أي يعلن مقدار ما تتحمله الحكومة من الدعم لكافة المواد المدعومة وآلية استنزاف وسرقة هذه المواد والاسترتيجية الحكومية في حال رفع الدعم وكيف سيتم تحويل الوفر المحقق إلى الطبقات الأكثر فقراً؟
فمثلاً وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك قال إن الحكومة تدعم الخبز بمليار ومئة مليون ليرة يوميا أي حوالي 400 مليار ليرة سنويا وتوزيع الخبز على البطاقة الذكية سيوفر حوالي 80 مليار ليرة سنوياً أي سيكون قادراً على خلق حوالي 130 ألف فرصة عمل خلال عام هل سيكون هناك أي اعتراض على هذه العملية؟ برأيي سيكون هناك تشجيع واسع لأن ما نشاهده من اعتراضات على شبكات التواصل الاجتماعي هو نتيجة تشويه المعلومات المقدمة واستغلالها من بعض من لهم اغراض بخلق الفوضى والبلبلة في سورية .
الآن وقبل كل شئ هناك أزمة ثقة بين المواطن والحكومة فالحكومة تعتبر أن مواضيع الدعم مواضيع حساسة لا يجب الحديث عنها بالتفصيل علنا لحساسية المواضيع بالنسبة للمواطن والمواطن تصله الحقائق مشوهة بشكل يزيد من مخاوفه وموضوع الغاز خير دليل على ذلك.
إن المرحلة التي نمر بها مرحلة دقيقة وحساسة من تاريخ سورية وتحتاج إلى قرارات استثنائية على مستوى الحدث قد لا تلقى القبول الشعبي في المراحل الأولى ولكن مع الزمن سيلمس المواطنون الآثار الإيجابية للقرارات وأي تأخير في اتخاذ هذه القرارات مهما كانت مؤلمة سيكون له آثار كارثية مدمرة على الاقتصاد السوري.

د. عدنان صلاح إسماعيل

إضافة تعليق