تداعيات كورونا ...

تداعيات كورونا ...

د.لمياء عاصي
نشاهد اليوم  مدنا عالمية مشهورة خالية  تماما من الناس , مع تزايد حدة  الإجراءات الاحترازية التي فرضتها الدول لمنع انتشار فيروس كورونا , فقد بدأت بتعطيل المدارس والجامعات وأوقفت  العمل في الشركات والمؤسسات وإغلاق المحال التجارية بشكل كامل ما عدا المواد الغذائية والصيدليات وتوقفت وسائل النقل الجماعي  العام والخاص , وصولا إلى إعلان حظر التجول  ونزول الجيش الى الشوارع لمنع نزول الناس من بيوتها , هذا الإغلاق لكل أنواع النشاطات الاقتصادية غير الطبية  أدى إلى تزايد الآثار الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا .

ربما ستغير شكل الحياة على كوكب  الأرض كجزء من  التداعيات  الاقتصادية والاجتماعية لوقف انتشار الفيروس , الاقتصادية منها  لن تقتصر على  الإجراءات المالية  , التي اتخذتها عدد من البنوك والمؤسسات المالية  سواء  بتخفيض معدل الفائدة على القروض أو إقرار سياسات تيسير مالي  وحزم تحفيز ,  لاحتواء التأثيرات السلبية  للأزمة التي تجتاح العالم , وتنشيط الاقتصاد الذي بات يعاني انكماشا وركودا بشكل عام , حيث أغلقت الكثير من الشركات والمؤسسات أبوابها  , وتم إنهاء عقود وظائف 25 مليون شخص حول العالم , هنا تتجلى أزمة العالم الحقيقية بأن تساعد  الذين أضحوا بدون عمل ولا دخل لتأمين  مصاريفهم  الضرورية  , تداعيات أخرى على مشتريات كبرى الشركات أو ما يعرف ب "بسلاسل الإمداد الحالية , إذ أن أغلب مشترياتها  من الصين التي تمثل  أكثر من 20% من التجارة العالمية في المنتجات الوسيطة أو النصف مصنعة, بالتأكيد سيعاد النظر بها وبالتالي , فإن السياسات التجارية الدولية المبنية على حرية التجارة  والمنافسة بين البلدان ستتحول إلى سياسات حمائية بشكل  كبير,  بحيث تكون الأولوية للمنتجات المحلية  ولو كانت هذه المنتجات بأسعار أعلى أو جودة أقل , كما أثبتت هذه الجائحة أن الاهتمام بالقطاع الصحي في دول كثيرة ومنها المتقدمة جدا ليس في أفضل أحواله , وإنه يعاني من نقص كبير في الكوادر والمعدات والمشافي وأنه ليس كاف في حالات الأوبئة والظروف  الاستثنائية .
يسود المشهد العام في سورية الشك والغموض، حيث المواطنين غير مقتنعين بما تعلنه الحكومة سواء من نفي تام لوجود إصابات بفيروس كورونا في أيام سابقة أو ما أعلنته حاليا عن وجود إصابات قليلة ، كتعبير عن تاريخ  طويل من الوعود التي لا تنفذ والتي أدت بالنتيجة إلى ضعف الثقة بين المواطن والحكومة، إذ لا يزال بذاكرة الكثيرين وعود كثيرة  بتحسين مستوى المعيشة  للمواطن بينما يزداد الوضع المعيشي سوءا وصعوبة، ووعود بمراقبة صارمة للسلع الاستهلاكية و ضبط أسعارها،  ولكن يجد المواطنون أنفسهم أمام أسعار جنونية جديدة , ولا أحد يعرف لماذا ؟؟؟  اليوم , و بما يتعلق بتداعيات الإجراءات التي اتخذتها الحكومة  لعزل الناس في سياق الجهود الرامية لمواجهة فيروس كورونا , هناك تحديات عديدة منها   :
    1- توقف دخل الأسر التي تعيش من عملها يوما بيوم، فماذا ستفعل ...؟؟؟  وكيف يمكن مساعدتها لتتجاوز هذه الفترة المؤقتة، المفروض أن تصرف الدولة بشكل سريع مبلغ إعانة شهري لهذه الأسر المتضررة والتي فقدت مصدر دخلها الوحيد ؟؟؟؟ هذا السؤال مرة أخرى يعيدنا إلى موضوع قوة الدولة وقيامها بدور إيجابي وفعال بما يعزز حضورها في حياة الناس،  حيث ستحتاج وبسرعة إلى مراجعة حقيقية لموازنتها العامة وإلغاء أو تأجيل بعض المشاريع والنفقات , وتوفير مبالغ كافية  لصرف مبلغ المعونة الشهرية للأسر المتضررة من الإجراءات المتخذة  وتساعدهم على الحصول على حاجياتهم الضرورية ,
    2- في هذه الظروف الاستثنائية لا بد أن يخرج مسؤولا حكوميا يتحدث مع الناس بمنتهى العقلانية والشفافية ويزودهم بأحدث الإحصائيات الحقيقية والتحضيرات والتجهيزات إذا لا سمح الله , ازدادت عدد الإصابات ، بدلا من أن يقوم الجهبذ " علي الديك " بإعطاء نصائح هلامية من خلال الإعلام المحلي , في محاولة  فاشلة لتوعية  المواطن .
أخيرا ,   لا بد لغرف التجارة والصناعة والزراعة  بالتعاون مع بعض الجمعيات الأهلية والقوى  المجتمعية  الأخرى من الاضطلاع  بدورها في تقوية التكافل الاجتماعي , فالمسؤولية الاجتماعية للشركات  ورجال الأعمال يجب أن تكون جزء أساسي من هذا التكافل  وتعبير عنه , إن مساعدة الناس يجب أن لا تكون عملية طوعية أو اختيارية أو للدعاية ولصور السيلفي وموائد العشاء , بل إلزامية وبموجب القانون ,  إذ إن هذه الفعاليات التي تقوم أعمالها وتحقيق أرباحها على أكتاف الناس , يجب أن يكون لها دور كبير بالمساهمة  بتخفيف أثار هذه الأزمة الكبيرة التي نواجهها جميعا .... علنا ننجح مرة في التغلب على مصاعب وظروف استثنائية أفرزتها أزمة الكورونا  .

إضافة تعليق