التأثيرات الاقتصادية الدولية لكورونا ... هل تطالنا؟

التأثيرات الاقتصادية الدولية لكورونا ... هل تطالنا؟

فيروس كورونا هو العنوان الأبرز على جميع الصعد اليوم: الاقتصاد والسياسة والأحداث الاجتماعية كلها تتعالج من منظور الخطر الصحي المحيط بالعالم، مع الكثير من التحليلات حول التهويل من عدمه، وحول التقصير من عدمه. لكن الأكيد أن الأثر الاقتصادي للفيروس أصبح واضحاً، وسيصبح ملموساً بعد قليل حتى في سورية التي لم تسجل أية إصابات كما هو معلن...

خلال مرحلة التوقف الاقتصادي الواسع في الصين إثر الفيروس، طال التراجع الاقتصادي نسبة 70% من الإمكانيات الصناعية الصينية. وهو ما تقدره الوكالات الدولية بخسارة الصين لأربع نقاط مئوية من توسعها المتوقع خلال الأشهر الثلاث الأولى من العام، وهي خسارة يمكن أن تصل بالحدود الدنيا إلى 350 مليار دولار خلال شهرين.

هذه الخسارة لا تنحصر في الحدود الصينية، بل تعدتها إلى كل الأسواق العالمية والغربية تحديداً حتى قبل انتشار الفيروس وتحوّل مركزه نحو أوروبا. فأسواق الأسهم العالمية تهاوت بمعدلات غير مسبوقة، ووصلت تقديرات وكالات مثل وكالة بلومبرغ العالمية لخسائر الأسهم عبر العالم ما يقارب 2.7 تريليون أي ألف مليار دولار خلال هذه الفترة القصيرة.

قد لا نجد أن هذه التغيرات تلمس الواقع السوري مباشرة... وهذا صحيح ولكن إلى حد ما! فحتى أكثر دولة محاصرة لا يمكن أن تنعزل عن تأثيرات الاقتصاد الدولي، العامل الأساسي الذي قد يؤدي إلى تأثيرات مباشرة على الأسواق السورية هو حجم التجارة الخارجية السورية مع الصين، فالصين عملياً ساهمت في عام 2018 بتوريد ما يقارب 3 مليار دولار من البضائع إلى سورية وهي المورّد الأساسي بطبيعة الحال. وهذا الوزن للتجارة الصينية في سورية (كما في غيرها من معظم دول العالم) قد ينعكس على مستوى الأسعار في سورية مع تراجع توريد البضائع، ومع ارتفاع أسعارها من المنشأ في الشركات الصينية أو من الناقل السوري الذي اعتاد رفع الأسعار فوق الطاقة الاستهلاكية مع كل حدث أو متغير سلبي جديد.

لم نشهد حتى الآن نقصاً في البضائع المورّدة، ولكن هذه العملية قد تظهر لاحقاً لأن الشحنات المرسلة إلى سورية خلال الربع الأول قد تكون من إنتاج الربع الأخير من عام 2019 في الصين أي قبل التوقف. وقد يظهر النقص أو ارتفاع الأسعار في البضائع التي تمّ التعاقد عليها في الأشهر الثلاثة الأولى من 2020، والتي سترد لاحقاً إلى البلاد.

من ناحية ثانية قد تظهر التأثيرات الاقتصادية الدولية الأخرى حسب مسار تفاقم الأزمة الاقتصادية المحتدمة دولياً. فمنطقياً انهيارات الأسهم والتراجع المتوقع في أوروبا وفي عموم الغرب يفتح احتمالات الأزمة الاقتصادية العالمية، بمستوى أعلى من أزمة عام 2008، وبالطبع ليس الخوف من (انهيار البورصة السورية)! ولكن الأزمة قد تطالنا تحديداً من ارتفاع أسعار السلع عالمياً، وتحديداً الأساسية منها (الغذاء والطاقة والمعادن بالدرجة الأولى) الاتجاه الذي يعقب أزمات من هذا النوع، مع انهيار قيم العملات والأسهم وارتفاع أسعار البضائع مع تراجع الإنتاج.

احتمالات الأزمة الاقتصادية الدولية لا ينبغي الاستهانة بها، واعتبار أن الحصار قد يقينا منها... الحصار حتى اليوم لم يدفعنا إلى سياسات اقتصادية مستقلة بل إن سياسة إدارة الأزمة الاقتصادية خلال سنوات الحرب العشر أبقتنا مرتبطين بالتجارة الدولية والوضع الدولي وإن بحدود أقل، ولكن المحسوس أننا أصبحنا أكثر ارتباطاً بالدولار وبالأسعار العالمية.

أعلنت سورية إجراءات أولية مبكرة في مواجهة الفيروس (بالقياس إلى بلد لم يسجل إصابات كما تعلن الجهات الرسمية) ولكن يبدو من السياق العالمي للتعامل مع الوباء وتحديداً في الغرب أن الأزمة قد تطول، وإن تجنبنا الوباء وهو أمر قد يكون صعباً، فإننا لن نستطيع تجنب الآثار الاقتصادية الدولية لانتشاره والتي ينبغي التفكير فيها. إن استنفار المال العام لتأمين الاحتياطيات الأساسية، كتأمين مخزون استراتيجي من النفط مستفيدين من الأسعار التي تقلصت بنسبة 50% خلال الأسبوعين الماضيين والتي قد لا تستمر عند هذا المستوى وتعاود الارتفاع إذا ما تفاقمت الأزمة الاقتصادية الدولية، أو أن يتم التعاقد على المواد الأساسية الغذائية والدوائية والطبية قبل احتدام آثار الأزمة وارتفاع الأسعار، ووضع احتمالات والتصرف على أساس توقع ارتفاع أسعار الأساسيات العالمية...

أما إذا انتشر الفيروس في سورية، فإن سياسات أخرى كلياً ينبغي أن تتخذ على المستوى الاقتصادي، لكن حتى الآن ينبغي أن نتعامل مع التأثيرات الدولية...

إضافة تعليق