أيام الكبير أنور البابا ( أم كامل )

أيام الكبير أنور البابا ( أم كامل )

الياس الحاج
في بدايات انتقالي من مدينتي اللاذقية إلى دمشق سنة 1980 ، لم أكن أعرف عنه الكثير ، إلا أنني ومنذ البدايات كنت محظوظاً بالعمل مع كبار الفنانين الرواد والمؤسسين في مجالات الفنون الدرامية ( مسرح ، سينما ، إذاعة ، تلفزيون ) ، ومنهم الفنان الكبير أنور البابا الذي جعلني أشعر في كل لقاء معه باحترام شديد فرضه بوقار ولباقة على الجميع ، الأمر الذي دفعني أترقبه في كل مرة أجلس فيها بغرفة البروفات أنتظر قراءة دوري كأي مشارك في التمثيليات أو المسلسلات الدرامية ، وبوصول البروفة إلى الشخصية التي سيجسدها الكبير بابا ، تجحظ عيناي أمام أدائه المدهش لشخصيات ذكورية تاريخية أو باللغة العربية والتي تتطلب أداءً لغوياً وصوتياً خاصاً ، أو نبرة أداء جاد لشخصية ذكورية مركبة ، أو وقاراً من نوع خاص في شخصية النائب العام أو محامي الدفاع أو القاضي ... إلخ من شخصيات جادة في البرنامج الأسبوعي الدوري الدرامي ( حكم العدالة ).... واللافت في شخصيته اللطيفة جداً أنه كان يتعامل مع كل الشخصيات ، كبر الدور أو صغر ، بروح الهاوي ، فيهتم بأدق التفاصيل ، ويضع حركات على الحروف .. حتى ولو كانت الشخصية باللهجة العامية فيضع حركاتها حسب طريقة أداء كل دور جديد ، ومن حسن حظي أنه كان في سنة 1986 ممثلاً في مسلسل من تأليفي ، بعنوان " جنان " من إخراج المصري "الراحل " محمد كمال الدين " وبطولة كبار النجوم والذين رحلوا جميعاً عن دنيانا إلى دنيا الحق ، عدا النجم الكبير ياسر العظمة ( أبو أنور الحبيب ) أمد الله بعمره .
وكل تلك الشخصيات يمكن وضعها في كفة ، والشخصية التي حققت شهرته الكبيرة " أم كامل " توضع في كفة ثانية ، كونه مارسها بسبب ندرة العنصر النسائي في العمل الفني والدرامي، والتي بدأها في العام 1947 .
ومن أجمل اللحظات التي جمعتني مع الكبير أنور البابا أنه عندما رزقني ربي بمولد أول ( مخائيل ) عام 1987 ، حملت أطباق الحلوى منقلاً فرحاً بين طوابق مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ، أوزع ضيافتي على زملائي ، فإذ به يستوقفني بنبرة جادة ( أي شو ما حدا زلمي وبيجي ولاد غيرك ؟! ) .. استغربت لهجته ، وأجبته بذات نبرته ( لتكون شايفني أم كامل اللي ما بيجيها ولاد ؟!) ، وفرد سحنة وجهه ضاحكاً ( باين أكلت المقلبة .. أي روق وروقنا .. كنت عم مازحك بشوية جدية على قولة اللي بيحكو بالأملية ، فهات شو معك حلوان هدية لأكتبلك للصبي أحلى غنية ) .. وعرفت يومها أنه يكتب الأغاني وله الكثير منها في إذاعة دمشق ، فقدمت له الضيافة ضعف غيره .. وانصرفت ..
والمفاجأة بعد ساعة من الزمن أن جميع الفنانين ممن تواجده يومها معنا في غرفة البروفات طلبوا كعادتهم ( القهوة والشاي والزهورات والميلو ) فقال الكبير أنور البابا ( اليوم كل المشاريب على حساب أخونا وحبيبنا الياس اللي أجاه صبي صلوا النبي ) .. فقلت ومن دون تردد وبسعادة كبرى ( لعيونك أستاذ أنور .. شغلة ما بينحكى فيها ) ، وللحقيقة أن الكبير أنور البابا دفع سراً الحساب عن الجميع وعني ، وهمس بأذني ( لا تشلشنا وتفضحنا .. هاد أقل واجب علينا .. أبنك .. أبنا حبيبنا ) ..

ولإعجابي الشديد بأداء الكبير أنور البابا طلبت أن أكتب له منلوجاً إذاعياً يومياً تحت عنوان ( يوميات أم كامل ) على غرار اليوميات التي كتبتها فيما بعد للفنان ناجي جبر ( يوميات أبو عنتر )، لكن الكبير أنور البابا أجابني حينها ( وين جايه .. تبيع المي بحارة السقايين ) واعتذر عن طلبي كونه يكتب التمثيليات الإذاعية ، ثم ولتعلقي بروحه الطيبة طلبت أن أجري معه حواراً صحفياً ، واتفقنا أن نلتقي مساءً في كواليس سينما الخيام ، حيث يشارك في العروض اليومية لفرقة مسرح دبابيس " الأخوين قنوع " ، وحضرت في موعدنا المحدد ، قبل نحو ساعة ونصف من بدء العرض ، فوجدته جالساً في الكواليس بالملاءة السوداء التي ترتديها " أم كامل " فحدثني أنه تعلق بها وأحبها كونها ترمز للمرأة الشامية الطريفة ، صاحبة النكهة الحيوية الخفيفة الظل، وأنه يعتبرها أولى الشخصيات النسائية التمثيلية في الوطن العربي.. وأنها كانت مرحلة التحول الكبير بالنسبة له عام 1947 عندما داهم سورية وباء الكوليرا، وتم تنظيم حملة لتوعية الشعب من مخاطر المرض، وعندها قدمت مسرحية إذاعية شارك فيها البابا بدور" أم كامل" وأحدثت التمثيلية إعجاباً كبيراً، ومن يومها تقمص تلك الشخصية الساحرة لينثر عطرها في سورية والبلاد العربية، وفي حديث مسجل للبابا يقول: أصبحت شخصية أم كامل النموذج الحي للمرأة الدمشقية التي تتمتع بحلاوة حديثها وطلاوة صوتها، شخصية حيوية ساحرة ولدت لتغطية غياب الشخصية النسائية في المسرح لكنها حافظت فيما بعد على حضورها وتألقها وعاصرت عمالقة الفن العربي ونسجت معهم الكثير من الحكايات، كانت تسرق من العجائز الحركات والكلمات والسكنات لتوظفها في خدمة الفن .. ثم أضفى عليها ظلالاً جعلتها تفوز بإعجاب الجماهير طوال أربعين عاماً أو يزيد، وقد ذاعت شهرة الشخصية حتى وصلت إلى معظم البلاد العربية، وعددا من البلد الأجنبية، واستطاع من خلالها أن ينقل اللهجة الشامية إلى مختلف البلاد العربية.
ومن إحدى طرائف تلك الشخصية أنه حين ذهب لإحياء حفلات على مسارح القاهرة وصادف أن الممثل المصري حسن فايق استظرف شخصية (أم كامل)، فراح يطلب من بعض الفنانين السوريين التوسط لدى أم كامل لقبول الزواج منه، وأم كامل تبدي خجلها وتخبئ وجهها بتلك الملاءة السوداء وتداري ضحكتها، وفجأة نهضت أم كامل وخلعت ملاءتها، فإذا هي رجل يرتدي طقماً تحت الملاءة، وسألته ما إذا كان يتعمد الظرافة في الحياة ، فقال الأيام غيرت بروحه بعد رحيل والدته سنة 1980 وأنه ذهب للحج ، ولا يليق به الهرج والمرج في الحياة كما كان في السابق ، لذلك أصبح يظهر بجدية خارج المسرح أو بعد أن يخلع الملأة السوداء .
وأذكر أن حكاية شخصية أم كامل مع جمهور المسرح ، بدأت يوم كان الكبير أنور البابا موظفاً في ديوان رئاسة الوزراء بدمشق ، وأثناء حضوره إحدى المسرحيات ، حدث أن تغيبت إحدى المثلات في ليلة العرض الأولى ، فتقدم البابا ليحل مكانها ، ولبس الملاءة السوداء وبيده السبحة الطويلة ، عندها ظهرت شخصية أم كامل للجمهور السوري للمرة الأولى ..
كما حضر الكبير البابا في عام 1955 في بيت فخري بك البارودي بلباس أم كامل مع المطربة الكبيرة السيدة " أم كلثوم " ..
وتمر السنوات سريعة فأسمع في غيابه الكثير من الأراء حول إنسانه الطيب وروحه الطريفة ، وعلى سبيل المثال ، الحديث الذي كان مكرراً على لسان الفنان الرحل عمر قنوع بوصفه له ( أم كامل الشام بحلاوتها ومرها .. ) .. وكان يردد الفنان الراحل مروان قنوع ( أنوالبابا .. أبو الفن السوري .. وأبونا في المسرح ) .. وأيضاً الراحل الكبير عبد الرحمن آل رشي ، وصفه مرة بأنه أهم الفنانين الكرديين السوريين ، كما وصفه الراحل الكبير عدنان بركات أنه مدرسة في الأخلاق ، وأيضاً اعتبره يوماً الكبير نهاد قلعي أنه أستاذ فن التقمص .. وأيضاً روى لي عنه الراحل الكبير محمود جبر : أنه عمل في مسرحه ( فرقة محمود جبر ) وكان أستاذ في الألتزام والصدق ويعلم الجميع الدقة في المواعيد ، وروى لي أيضاً الرائد الكبير الراحل تيسير السعدي محطات هامة عنه في سلسلة المضحك الباكي ، وكيف كان يعتبره السند الحقيقي لمختلف الشخصيات من حوله ( أبو صياح ، أبو فهمي ، أبو جندل ، أبو كاعوود ...إلخ ).
ومرت الأيام والسنوات القليلة بحلاوتها ومرارها ، وعلمت أنه مصاب بمرض عضال في الدماغ .. الأمر الذي جعله ينقطع عنا إلى أن غاب جسداً سنة عام 1992م ، وبقي المثال بالرقي والاحترام والجدية والالتزام على لسان كل من عرفه .
أنور حسني البابا ..
من مواليد مدينة دمشق عام 1925م، وهو كما هو معروف ابن عم الفنانتين المصريتين: الفنانة سعاد حسني والمطربة نجاة الصغيرة ابنتا الخطاط محمد حسني البابا (1896-1971).
تلقى علومه الابتدائية في عدد من مدارس دمشق، ثم انتسب إلى مكتب عنبر الشهير، لكن سوء وضعه المادي حال من اكماله تعليمه، فاتجه إلى ممارسة أي عمل يدر عليه مكسبا مالياً، وكان ذلك قبل حصوله على الشهادة الإعدادية، فعمل في صناعة النسيج ثلاث سنوات، ثم حصل على وظيفة صغيرة في رئاسة مجلس الوزراء السوري.
في أحد أحياء دمشق القديمة بدأت ملامح طفولته الشقية ترسم مواهبه الفنية، وفي عام 1937 بدأ بتحقيق حلمه في التمثيل، فشارك في عدد من المسرحيات من خلال زميل عمره الفنان أنور المرابط وعبد اللطيف فتحي ومصطفى هلال وتيسير السعدي وأمين عطا لله ومحمد محسن وغيرهم، وقد أسند إليه الفنان أنور المرابط بعض الأدوار في التمثيليات المدرسية قبل أن يترك الدراسة.
في العام 1937 جمعته الهواية بالفنانين تيسير السعدي، وفهد كعيكاتي، وعبد السلام أبو الشامات، وعبد الهادي دركزلي، وأخذوا يتدربون على تمثيليات صغيرة يقدمونها في بعض البيوت في الأفراح وسهرات السمر، ثم نقلوا نشاطهم إلى الأرياف والقرى لإشباع هواياتهم.
في العام 1937 اشترك بأول عرض تمثيلي متكامل كان اسمه" أتاتورك" وكانت تمثيلية صغيرة، ثم شارك في العام 1938 في مسرحية "جريمة الآباء"، وقد عرضت على مسرح العباسية آنذاك، وبعدها شارك بفرقة أمين عطا الله المسرحية المصرية، ثم ساهم بدور صغير في مسرحية "راسبوتين" مع الفنان يوسف وهبي بعد توظيفه برئاسة مجلس الوزراء، فساعده راتبه على تشغيل فرقة الهواة ضمت خمسة عشر ممثلاً.
وكان بدوره يجيد نظم كلمات الأغاني، حيث بلغ مجموع ما كتبه من أغنيات للإذاعة السورية بعد افتتاحها أكثر من خمسين أغنية، ولكن بكل أسف بالغ ضاع أغلبها.
كتب مئات التمثيليات الإذاعية إضافة لعمله في التمثيل، ثم اتجه إلى الصحافة وكتب في مجلة (الدنيا) زاوية أسبوعية شعبية بعنوان "أم كامل تتحدث إليكم"، وكانت مقالاته باللهجة المحلية.
وفي السينما شارك بعشرات الأفلام السورية والمصرية مع إسماعيل ياسين ودريد لحام وغيرهما.
وفي العام 1961 انتقل إلى لبنان وقدم العديد من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية هناك، وعند عودته لدمشق عمل مع فرقة محمود جبر ثم تعاون مع الأخوين فتوح حيث قدم معهما عشر مسرحيات.
ويذكر من أعماله: (قاهر الفضاء, فاتنة الصحراء, شقة للحب, مختار السبع بحرات, مسحر رمضان- فاعل خير, أنت عمري, الأزواج والصيف, بنت البادية, إسماعيل يس للبيع, نور وظلام ..).
 

إضافة تعليق