الخبير والمثقف!

الخبير والمثقف!

خليل صويلح
عقد ثالث من الألفية الثالثة يلقي بثقله فوق أكتافنا. يا للأهوال التي عشناها وسنعيشها. قهوتنا الصباحية بطعم الكارثة. صور متلاحقة من الرعب البشري ودمار الكوكب، وأحوال الفناء. زلزال هنا، وطوفان هناك. حروب متطوّرة وعابرة للقارات، خرائط ممزّقة، وانحطاط في القيم، ومؤرخون يزوّرون الحقائق بعد لحظات من حدوثها. ولكن كيف لنا أن نلخّص وقائع عامٍ مضى؟ ما أصعب نبش أحشاء سنة واحدة، فما بالك بإحصاء كوارث بالجملة؟
 سوف تهب رائحة عفونة في المكان. لا شمس ستبزغ على حقول عباد الشمس، عتمة في وضح النهار. وحده "طرطوف "يتجوّل في الشوارع، تلك الشخصية التي ابتكرها موليير في منتصف القرن السابع عشر، كنموذج للنفاق بكامل أصنافه ومذاهبه.
 ما يميّز عصرنا في المقام الأول، اقتحام التفاهة الفضاء العام كبديل لكل القيم العليا. هذا ما يشير إليه الأكاديمي الكندي آلان دونو في كتابه“ نظام التفاهة“، الكتاب الذي اختزل ما يعيشه العالم من فروض الانحطاط بصعود قواعد تتسم بالرداءة، ما أدى إلى تدهور متطلبات الجودة العامة، وتغييب الأداء الرفيع، وتهميش منظومات القيم، لمصلحة الأذواق المنحطة، وإبعاد الأكفاء، وإذا بالساحة تخلو من التحديات، لتتسيد شريحة كاملة من التافهين، وذوي البساطة الفكرية، وذلك لخدمة أغراض السوق تحت شعارات الديمقراطية، والشعبوية، والحرية الفردية، والخيار الشخصي. هكذا برزت اللغة الجوفاء المحملّة بالحقائق والتأكيدات، لكنها في جوهرها مجرد حشو وتكرار لا أكثر.
 ويشير آلان دونو إلى انتصار نموذج "الخبير "على "المثقف "الحر، ويصف الصحافة بأنها مكان لتعليب "الأميين الجدد ،"فيما تراجعت فرصة الكتب الدسمة لتحل مكانها "الكتب الأكثر مبيعاً "تلك التي تبيع أفكاراً سطحية لا أكثر، ككتب الطبخ والأبراج وسير المشاهير. يقول بخصوص مذيعي ومذيعات التلفزيون "صار يمكن لأي جميلة بلهاء أو وسيم فارغ أن يعرضوا أنفسهم على المشاهدين عبر منصات هلامية، كما يحدث في منصات مواقع التواصل الاجتماعي التي تمكنت من تصدير "عقل جمعي "من خلال المنشورات المتتابعة التي تتيح للأميين فرصة أن يكونوا رموزاً.
 الأمر لا يتوقّف هنا، ذلك أن التحوّلات أصابت فكرة العمل في الصميم، إذ صار شاغل المهنة يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير "يمكن أن تعمل عشر ساعات يوميًا على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه، أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطرًا. وكأن ما يحدث هو ”ثورة تخديرية "، تدعونا أن نكون في الوسط بالمعنى السلبي، وأن نفكّر برخاوة، وأن نضع قناعاتنا في جيوبنا، أن نكون كائنات قابلة للمبادلة وسهلة الترتيب في الأدراج. في النهاية صار الشأن العام تقنية "إدارة "، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا، وصارت الدولة مجرد شركة خاصة، وصارت قاعدة النجاح فيها أن "تلعب اللعبة ". ولكن ما المطلوب لمواجهة نظام التفاهة؟ يجيب“ أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة. أثار هذا الكتاب منذ صدوره بالفرنسية العام الماضي ضجّة كبرى، نظراً لفضحه الممارسات الوحشية للعولمة. هذا على مستوى العالم، فماذا نقول بخصوص عالمنا العربي الغارق بتفاهة من نوعٍ أكثر انحطاطاً؟ هل نكتفي باستعادة زمن الشطّار والعيارين، ونحن نرى أحفادهم يعبثون بالمصلحة العامة في وضح النهار؟
 

إضافة تعليق