الفساد والشفافية

الفساد والشفافية

د. عدنان صلاح إسماعيل

ضجَّت صفحات التواصل الاجتماعي منذ عدة أيام بقضية فساد مدوِّية في وزارة التربية وتوالت الأخبار تباعاً على الصفحات :
"الحجز الاحتياطي على وزير التربية السابق ومجموعة من الموظفين." "توقيف معاون وزير التربية." "حجم القضية يتجاوز 350 مليار ليرة سورية."
وبدأت التحليلات وسط صمت حكومي مطبق لعدة أيام اعتدنا عليه في كافة الملفات الكبيرة قبل أن يوضِّح السيد رئيس الحكومة وتتبعه الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش.

وكمراقب مستقل أتساءل: إذا كان هناك فعلاً قضية فساد كبيرة بهذا الحجم المرعب لماذا لم يخرج متحدث باسم الحكومة ويعلن تفاصيل الموضوع فإذا كان الهدف سلامة التحقيق فكل سوريا تتحدث بالموضوع حالياً؟

من المتعارف عليه قانونياً أن عقوداً بهذا الحجم لا تخضع لسلطة وزير فهناك حاجة للتصديق من اللجنة الاقتصادية للتحقق من صحة الإجراءات وهناك حاجة لتخصيص التمويل من وزارة المالية وبالتالي وفق المتداول فإن الملف إن صح يطال عدة وزارات وليس وزارة واحدة.

إذا كان هناك أخطاء إجرائية يتحمل فيها الوزير في مكان ما مسؤولية تقصيرية أو إجرائية نكون قد دمرنا سمعة عائلات بأكملها بغير وجه حق
حالياً تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً متواترة عن ملاحقات لرجال أعمال وهروب بعض رجال الأعمال كما ألمحت قيادة الحزب إلى وجود ملفات فساد كبيرة تجري معالجتها بالتنسيق بين الجهات المختصة، وهنا أقول كمراقب مستقل إن هذه الأخبار بغياب الشفافية والمصارحة عنها تحمل في طياتها آثاراً سلبية كبيرة وقد تحمل بعض رجال الأعمال على الانسحاب كما تحجم الرساميل الوطنية في الخارج من الدخول إلى السوق بدافع الخوف من المجهول وأستطيع القول إن ارتفاع سعر الدولار في المرحلة الأخيرة ناجم عن ذلك إلى حد كبير.

إنَّ استمرار التعامل مع الفساد كقضية أشخاص وعدم معالجته معالجة جذرية من خلال إزالة الظروف والأسباب المنشئة له يحمل في طياته آثاراً سيئةً جداً قد لا نشاهدها بشكل فوري ولكن مع مرور الوقت ستبدأ آثارها بالظهور ومن أبرز هذه الآثار :

رأس المال كما هو معروف جبان وبالتالي تواتر مثل هكذا أخبار بغياب الشفافية والمصارحة سيمنع رؤوس الأموال الخارجية من الدخول إلى الأسواق السورية في وقت نحن أكثر ما نكون بحاجة إليها كما سيدفع بعض رجال الأعمال لتهريب أموالهم مخافة المجهول.

المعالجة الحالية ستؤدي إلى إعادة إحياء الفساد بوجوه جديدة لأن إعادة التجربة بنفس الشروط الموضوعية لن يؤدي إلى خلق نتائج مغايرة وهذا سيزيد أزمة الثقة بين المواطن والحكومة وهي المهتزة أصلاً.

الضبابية بالموضوع ستزرع الخوف في نفوس عدد كبير من المدراء من اتخاذ أيَّة قرارات ضرورية تقتضي تحمل المسؤولية مما يشكل عقبة كبيرة في وجه الإدارة.

الخلاصة إن مكافحة الفساد يجب أن تكون عبر استراتيجية وطنية متكاملة العناصر قوامها:
إصلاحات قانونية وإدارية وقانونية تطال كافة البنيان التنفيذي بحيث نصل إلى آلية متكاملة تتحرك من تلقاء نفسها لمعالجة أي خلل أو فساد وتزيل المناخ المتعفن الحالي الكفيل بإفساد أي موظف.

تحسين الوضع المعيشي للموظفين وربط الأجر بالعمل وحجم المسؤوليات الملقاة بعيداً عن نظام الأجور الحالي الذي يساوي بين مدير عام يتحمل مسؤوليات بالمليارات وموظف جامعي في المكتبة مثلاً.

الشفافية والوضوح والمصارحة في كافة القضايا بحيث تطرح أية قضية للإعلام مباشرةً من قبل متحدث باسم الحكومة وهذا من شأنه أن يردع الكثيرين ويعيد الثقة المفقودة بين المواطن والحكومة.

إضافة تعليق