نقص ڤيتامين 'د' والواقع الراهن للصحة في سوريا

نقص ڤيتامين 'د' والواقع الراهن للصحة في سوريا

الدكتور أسامة سمّاق

يتكرر السؤال هذه الأيام عن أسباب نقص ڤيتامين"D” في سوريا رغم أشعة الشمس المشرقة على امتداد العام.

من المعروف أن الجلد يحتوي على عوامل فيتامين "د" الأولية، ويطلق عليها (Vitamin D Precursor).يمتص الجلد الطاقة الموجودة في الأشعة فوق البنفسجية من النوع "بي"، ويستخدمها في تحويل عوامل فيتامين "د" الأولية إلى فيتامين "د3".
ينتقل فيتامين "د3" إلى الكبد، حيث يخضع لعملية كيميائية يضاف فيها زوج من ذرات الأكسجين والهيدروجين ليصبح (25-hydroxyvitamin D).
ينتقل الفيتامين من الكبد إلى الكلى، وهناك يضاف زوج آخر من الأكسجين والهيدروجين ليصبح (1,25 dihydroxyvitamin D)، وهو فيتامين "د" النهائي الذي يحتاج إليه الجسم.
ودون الغوص أكثر في تفاصيل علمية لتشكل وعمل ڤيتامين “D”، والتي قد تكون مملة للقارئ، فإن أشعة الشمس الواردة عبر الزجاج من نوافذ وأبواب لا تفيد في تصنيع الڤيتامين المذكور، كذلك التواجد في الظل، كما وتمنع الألبسة بأنواعها وخاصة السوداء من تماس الجلد مع أشعة الشمس وبالتالي إنتاج Vit.D.
إلى ذلك فإن الأغذية المختلفة لا تستطيع تأمين حاجة الجسم اليومية من هذا الڤيتامين، والتي تقدر بحدود  600 وحدة دولية .
ونقص هذه الجرعة اليومية قد بسبب أمراض جلدية وجهازية مختلفة.

من هنا يمكن تفهم عوز الڤيتامين D لدى السوريين، كونه جزءاً من عوزه حول العالم أولاً 
وثانياً: بسبب ثقافتنا التي تحرض الناس على عدم التعرض المباشر للشمس. 
وثالثا: فقر وجباتنا الأساسية بالأغذية الأغنى بڤيتامين دال كالسمك وغيره.

في أميركا يتم إضافة هذا الڤيتامين إلى الحليب وخاصة المخصص للأطفال كإجراء وقائي من تلين العظام.

تعاظم الإهتمام بڤيتامين D في سوريا مؤخراً، مرده إطلاعنا الحديث على نتائج الأبحاث الدولية حول خطورة نقصه، وتعاميم منظمة الصحة العالمية حول ذلك.

أذكر أننا في نهاية الثمانينات كان ڤيتامين دال من الأدوية الأساسية التي تدخل في علاج العديد من الأمراض الجلدية؛ وذلك في مشافي موسكو.

تأخر اعتماد ڤيتامين دال في علاج المرضى السوريين، مرده إلى غياب البحث العلمي الجاد في مؤسساتنا الصحية، واعتمادنا النقل عن الدول المتقدمة علمياً وطبياً، وعدم إعمال العقل في تنظيم مهنة الطب وإدارة الخدمات الصحية.

فالطبيب الموظف في المشافي العامة أو في المراكز الصحية همه الأساس تسجيل حضوره والمغادرة بأسرع وقت ممكن للحاق بمرضاه في المشافي والعيادات الخاصة، وذلك لضحالة  رواتب الأطباء في مؤسسات الدولة الصحية، وبالنسبة للخدمة التمريضية فهي الأسوأ مقارنةً بالدول حتى المجاورة، ولنفس السبب تداوم الممرضة في المشفى العام بعد أن  تكون قد ناوبت ربما الليل كله في مشفى خاص أو أكثر، وذلك كي ترفد راتبها الزهيد ببعض الأجر من المشفى الخاص من أجل تأمين احتياجات أسرتها في حدها الأدنى حتى نهاية الشهر.

وينسحب ذلك على الكادر الإداري والعلمي في المؤسسات الصحية، وإذا أضفنا إلى ماتقدم ضغط الإنفاق والتمويل بسبب الحرب والحصار، نجد أنه من الصعب رصد أمراض السكان بمافيه نقص ڤيتامين D بالمستوى المطلوب، كما يتعذر إجراء البحوث العلمية اللازمة، التي تحتاج عادةً إلى الخبرة والتفرغ وتوظيف رأس المال اللازم، بعيداً عن التقتير والمساءلة اليومية، مع صرف أجور مجزية للباحثين.

إن الفوضى التي يشكو منها النشاط الصحي بقطاعيه العام والخاص، وابتعاده عن مناخ التخطيط وتنظيم الخدمة الطبية يؤدي إلى تراجع مضطرد في الوضع الصحي للسكان، كما أن تقليص التمويل وضغط النفقات التي باتت تشكو منه مختلف المشافي الحكومية، سيسرع من  تدهور الواقع المريض أصلاً للمواطن، كما سيؤدي استمراره إلى انتشار الأمراض والأوبئة.
 
وبالمناسبة فإن المركزية الشديدة في تأمين الأجهزة والمستلزمات الطبية أثمرت عن تعطل الكثير من التجهيزات، وغياب العديد من المستلزمات الطبية.

فقد كان الأجدى دعم التجربة الناشئة لهيئات المشافي العامة المستقلة مالياً وإدارياً، والتي بدأت تثمر في تحسين الخدمة الصحية على امتداد البلاد، كحصيلة للامركزية التي أمنتها مراسيم إحداث هذه الهيئات، بدلاً من العودة إلى الوراء ومصادرة صلاحيات هذه المشافي، بإعادة تفعيل المركزية الشديدة، تحت عنوان محاربة الفساد، في تأمين التجهيزات والمستلزمات الطبية، وهي تجربة أثبتت فشلها في تحسين الخدمة الطبية على امتداد عقود من الزمن.

إن المركزية الشديدة لم تفلح خلال عقود في محاربة الفساد بل كانت دائماً سبباً في استفحاله، وقلصت عدد المستفيدين من عوائده هذا أولاً، وثانياً فإن احتياجات الصحة يجب أن تكون أولوية كونها ذات طبيعة إسعافية، فلا يجوز أن تكون حقل تجارب في محاربة سلبيات عمل الدولة والمجتمع، فهناك قطاعات أخرى بعيدة عن صحة المواطن تشكو من فساد يفوق بأضعاف  مايجري في قطاع الصحة، وانخفاض منسوب الفساد في القطاعات الإقتصادية كفيل بشفاء الصحة منه.
   
وهكذا فإن إعادة النظر في تنظيم الصحة وممارسة مهنة الطب في سوريا أصبح ضرورة ملحة، فمن غير المقبول أن تسبقنا دول صغيرة كلبنان والأردن في الخدمة الصحية.

وفي الختام فتدقيق مستوى ڤيتامين “D” ضرورة صحية لكل إنسان صغيراً كان أو كبيراً
 
 

إضافة تعليق