الخروج من عنق الزجاجة

الخروج من عنق الزجاجة

د.لمياء عاصي  
إن نفض غبار الحرب والاتجاه  نحو التعافي الاقتصادي  ومواجهة  التحديات لإعادة دوران العجلة الاقتصادية والقدرة الإنتاجية  بعد حرب مدمرة  استمرت لتسع سنوات قد يكون الأصعب , اليوم الوضع المعيشي  هو أهم ما يشغل بال السوريين حيث  المعاناة من انخفاض القدرة الشرائية  بسبب تدني قيمة الليرة السورية وارتفاع  تكاليف المعيشة  الذي سببه  التضخم  وارتفاع سعر الصرف  وانعكاس ذلك على المؤشر العام للأسعار, الأمر الذي أدى إلى زيادة عدد الفقراء واضمحلال الطبقة الوسطى  التي تعتمد عليها الدول  في تنشيط الاستهلاك وبالتالي إحداث النمو الاقتصادي. 
مما لاشك فيه  أن الدولة بكل قطاعاتها  تتأثر من انخفاض سعر العملة الوطنية امام العملات الأجنبية و ليس أصحاب الدخل المحدود فقط , يتعاظم الدين العام الخارجي  للدولة بنفس النسبة التي انخفضت فيها  قيمة العملة , وفي القطاع المصرفي  تنخفض قيمة الموجودات من الأموال السورية , كما تزيد  فاتورة المستوردات ويصبح ربح الصادرات أقل , صحيح  نظريا أن انخفاض سعر صرف  العملة المحلية  يؤدي إلى ازدياد صادرات البلد ,  ولكن المعروف , أن سورية  تعاني من الحصار الاقتصادي  والعقوبات الأمريكية والأوروبية , الأمر الذي  يجعل عملية التصدير أكثر صعوبة . 
خلال  الأزمة المالية التي ضربت دول جنوب شرق آسيا  أعوام  1997-1998, كتب رئيس وزراء ماليزيا ) مهاتير محمد )  مقالا في صحيفة الوول ستريت جورنال  , وصف فيه المضاربين والمتلاعبين بالعملات المحلية  بأنهم أشبه بقطاعي الطرق , و أضاف  : " بأن الفعل ولو كان قانونيا وشرعيا , ولكنه  أضر بمصالح الناس وآذاهم فيجب أن تقوم الدولة بتجريم  ومعاقبة مرتكبي ذلك الفعل " , من الجدير بالذكر , بأن  أكثر هذه الدول لجأت  للاقتراض من صندوق النقد الدولي  لتجاوز هذه الأزمة  ماعدا ماليزيا التي اتبعت أسلوبا آخر في معالجة الأزمة. 
 في عام 1998 ,  قامت الحكومة  الماليزية بمراجعة  القوانين  الاستثمارية والسياسات المالية والنقدية  بما يلائم الوضع الاقتصادي آنذاك  ضمن  مبدأ أساسي يحكم كل سياساتها وهو الاعتماد  على الموارد المحلية لماليزيا , من أجل هذا قامت بتسييل بعض الأصول المملوكة للدولة حسب سياساتها وإنتاجية تلك الأصول  , كما استدانت داخليا  من شركات ماليزية مملوكة للدولة  مثل شركة النفط الماليزية (بتروناز) , كما  , أما في  الجانب النقدي وانخفاض الرينغت (العملة الماليزية ) أمام الدولار , فقد أعلن  البنك المركزي الماليزي  ( نيغارا بنك ) عن سعر للرينغت  , وقام  بالدفاع عنه ضمن هوامش معينة ارتفاعا أو هبوطا , ثم قام  مهاتير بالإعلان عن تحويل بعض القروض القصيرة الأمد لقروض طويلة الأمد,  لتخفيف آثار المدفوعات على ميزان المدفوعات الماليزي  , من بين الإجراءات التي قامت بها  الحكومة الماليزية  لإنقاذ المؤسسات والشركات المفلسة  كي لا يتحول  مئات آلاف العمال إلى عاطلين عن العمل , ومن أجل ذلك منحتها القروض  لتستطيع معاودة نشاطها التجاري أو الإنتاجي من جديد ,  ولم تكن قرارات تعتمد على شخص واحد بل على مجلس شكل من شخصيات خبيرة  وطنية وتتحلى بالنزاهة , سمي مجلس العمل الاقتصادي الوطني, NEAC , أي أن العمل والقرارات واقتراح السياسات لم يكن فرديا بل كان جماعيا . وهكذا استطاعت ماليزيا تجاوز الأزمة خلال سنتين دون أن تخسر سمعتها العالمية كمقصد مهم للاستثمارات غير المباشرة.
برغم أن الحال في سورية مختلفة , لأن  الأزمة الاقتصادية  ناشئة عن  حرب  عدوانية , إلا أنه هناك بعض الظواهر المشتركة بين الأزمتين , وأهمها انخفاض سعر صرف العملة الوطنية , 
لذلك فلا بد من قيام الحكومة السورية بخطوات مشابهة  من حيث الاعتماد على الموارد الذاتية المحلية  كأساس تبني كل السياسات  الاقتصادية  في البلد أما السيناريو الأسوأ فهو اللجوء إلى  الاقتراض من الخارج , ثم أن تعيد الدولة إعادة  دراسة وهيكلة إيراداتها  وإدارة ممتلكاتها ولأجل ذلك لابد  من مكافحة التهرب الضريبي والجمركي والتأميني , وإعادة دراسة  سياستها النقدية بما فيها موضوع الحوالات الخارجية والفوائد على العملات الاجنبية  والمحلية . 
من نافل القول أن  تشجيع  إقامة المشاريع  والاعمال سيكون أولى الخطوات لاجتذاب رؤوس الأموال من خارج  سورية إلى داخلها  , لأنه من خلال تطبيق مبدأ دعه يعمل ..دعه يمر وبغض النظر عن دلالة هذا المبدأ الإيديولوجية سيتم  تشجيع  بدء الإنتاج  الذي  يزيد الناتج المحلي الإجمالي , كما يمتص جزءا  كبيرا من العمالة  وهذا سيؤدي بشكل تلقائي لانخفاض معدل البطالة ,
أما مكافحة الفساد بكل أنواعه ومستوياته  بكل الطرق , من خلال تقليل البيروقراطية وإعادة الاعتبار لموظف الدولة ورفع راتبه , وتقليل الاحتكاك البشري بين  الموظفين والمستفيدين و استخدام الأتمتة بشكل كثيف ضمن النظام العام , فكل تلك النقاط ,  تعتبر من أهم عوامل مكافحة الفساد, أما تطبيق  السياسة الانكماشية الحالية بتقليص كتلة  الرواتب و ضغط الإنفاق العام إلى أقصى الحدود , بالتأكيد ليست  الخيار الأفضل للحفاظ على موارد الخزينة العامة,  لأن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع  معدل الفساد الإداري,  وتدني الإيرادات العامة من جديد. 
سيتم  تعزيز الموقف المالي للدولة  من خلال جهود واضحة بمجالات عديدة  , وخصوصا إن تمت  الاستعانة بالممتلكات العامة  تسييلا أو استثمارا , فالمعروف حاليا  , أن قسم كبير من أملاك الدولة  يدار بطريقة مبعثرة وغير كفوءة إطلاقا , ولابد من ضم كل هذه الأملاك وأن تدار من قبل جهة واحدة على أسس اقتصادية صحيحة , إن الاكتفاء بالقول أن الدولة تمر بحالة استثنائية  وعليكم التحمل , سيدخل البلد في دوامة الفقر والفساد وجعل الأمور تزداد سوءا  ,
أخيرا , ستكون الاستفادة من تجارب الدول  وليس نسخها هو أول خطواتنا للخروج من عنق الزجاجة
 

إضافة تعليق