كنْ تافهاً وستحقّق الشهرة!

كنْ تافهاً وستحقّق الشهرة!

خليل صويلح
هناك من يشتغل على إعادة توطين التفاهة بحماسة. لم يعد وجودها عراكاً في الأزقة الجانبية، إنما خرجت إلى الشارع العمومي بكامل مساحيقها وأسلحتها، واقتحمت الفضاء العام بوصفها مطلباً جماهيرياً: كن تافهاً وستحقق الشهرة! اندحرت البرامج الجديّة في المحطات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي لمصلحة التفاهة والسطحيّة والسفاهة والهبل. جرعات كبيرة نبتلعها كل يوم، كما لو أنها فيتامين النجاح الوحيد. دع الافكار العميقة جانباً، لا أحد لديه القدرة على حمل معاول الحفر. ابقَ طافياً على السطح مثل فقمة كسولة، ستأتيك الفرصة لتكون في الواجهة: ألا تمتلك صوتاً فوق النهيق بدرجة؟ لا تجزع إذاً فبرامج الغناء لا تحصى، لا تخشَ لجان التحكيم، فبعض هؤلاء كانوا مثلك يوماً ما، يغنون في حفلات الأعراس والملاهي، سيصفقون لك، وسيعيدون تدوير بلاستيك موهبتك بسهولة، قطعة وراء قطعة، كما لو أنك ساعة سويسرية.

اكتب(ي) شعراً ركيكاً، وسيحاصرك المعجبون. ارتد سروالاً زاحلاً، زخرفي جسدك بالتاتو، انفخي شفتيك، فعيادات التجميل أهم من ارتياد الجامعات, ابدأ/ي كومبارساً، وستنطقين يوماً بجملٍ شكسبيرية.

أكتب روايات تافهة عن حياتك التافهة، اعمل دي جي بأكبر قدر من الأغاني التافهة، اجعل فروة رأسك مثل خريطة احتلها برابرة، فالتفاهة عابرة للحدود، وليس مستحيلاً أن تصبح كائناً عالمياً ومعولماً بدمغة, لا تظن أنك منبوذ أو مهمل، فقد اعتنى فلاسفة وروائيون وعلماء اجتماع بقضيتك كشخص تافه. خصّص ميلان كونديرا روايته الأخيرة "حفلة التفاهة" في تشريح حالتك"

التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود، إنها معنا على الدوام وفي كل مكان. إنها حاضرة حتى في المكان الذى لا يرغب أحد برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك الدامية، في أسوأ المصائب, وهذا غالباً ما يتطلب شجاعة للتعرف عليها في ظروف دراماتيكية للغاية ولتسميتها باسمها، لكن ليس المقصود التعرف عليها فقط، وإنما يجب أن نحبها، التفاهة، يجب أن نتعلم حبها".

أما البروفسور هاري جي. فرانكفورت فأنجز بحثاً مطولاً بعنوان "عن التفاهة" باعتبارها مظهراً بارزاً في ثقافة اليوم، الجميع شركاء فيها حتى حين يظن أحدهم أنه يتجنبها. ويوضّح بأن التفاهة "ما هي إلا استعمال متهور أو مهمل للغة و بالتالي لا ينتج عن هذا الاستعمال إلا الهراء", ويلفت إلى انتشار التفاهات في مواقع التواصل الاجتماعي، و كيف أن استقبال هذا الكم الهائل من التفاهة يومياً "يؤثر في مستوى وعي، و ثقافة، و فكر الأفراد المحيطين بنا، فكل شيء أصبح متاحاً للقول، والكلام، والحديث، والتلفظ، وغابت الحدود والضوابط في مثل هذه القنوات، لأن كل فرد يعتبرها حساباً شخصياً، وتالياً، من حقه أن يضخ فيه كل الهراء."

في تعريف التفاهة لغوياً "نقص في الأصالة أو الإبداع أو القيمة" وإذا بالمعادلة تذهب إلى عكسها: إذا أردت أن تكن حاضراً بقوة في الساحة، ابتعد عن الأصالة والإبداع والقيمة، وعزّز مفردات الانحطاط في جحيم من الصور المتلاحقة والبذاءة و"التجريف الأخلاقي" وانتصر لبرامج الطبخ والأبراج والشعوذة والتهريج والفضائح. انظر إلى أقدام لاعبي الكرة، وأهمل الأدمغة. يقول محمود عباس العقّاد: "حتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، حيث أتعلم شيئاً جديداً عما هي التفاهة وكيف يكتب التافهون و فيمَ يفكرون" نظنُّ أن العقّاد سيتراجع عن فكرته أمام أهوال التفاهة في الكتابةاليوم، بعد أن تحوّلت إلى طبقٍ شهي في مختلف منصّات البث, وسيختزل الروائي الإسباني كارلوس زافون أحوال الكوكب اليوم بقوله "لن يُفنى العالم بسبب قنبلة نووية، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة.

 

 

إضافة تعليق