معضلة الاقتصاد السوري بين سعر الصرف و التضخم وسعر الفائدة

معضلة الاقتصاد السوري بين سعر الصرف و التضخم وسعر الفائدة

د. لمياء عاصي

الدوامة التي تحدَّث عنها كثير من المفكرين الاقتصاديين في العالم, إنها العلاقة بين التضخم وسعر الفائدة ودور الإئتمان والقروض في تحقيق التنمية الاقتصادية،
في سورية, بعد سنوات من الحرب التي خلفت الدمار في البنى التحتية والسكنية والإنتاجية والتدهور في كل القطاعات والانكماش في الناتج المحلي الإجمالي , بالمقابل تعتبر الخطوات الأولى للتعافي الاقتصادي زيادة معدلات الإنتاج وإعادة الإعمار للمنشآت والمباني التي دمرت, وهذا ما يهدف إليه صناع القرار الاقتصادي في سورية.
 إن السبيل الأساسي للخروج من النفق المظلم للاقتصاد السوري يكمن في تحفيز وتشجيع الإنتاج وإحياء القروض لتحقيق التنمية, وعندما يحدد المصرف المركزي أسعار الفائدة يأخذ بعين الإعتبار المؤشر العام للأسعار في البلد, ويهدف سعر الفائدة إلى تشجيع الأفراد والمؤسسات على القيام بالإقتراض من البنوك أو إيداع أموالهم فيها , بما يمكنها من التوسع في عملية الإقراض , نظريا , يجب أن تؤدي القروض الإنتاجية  والإيداعات في المصارف إلى تقليص المعروض النقدي في السوق , ومن ثم التخفيف من حدة التضخم فهل هذا هو واقع الحال في سورية ؟
الوضع الاقتصادي السوري , بالغ التعقيد , إذ تختلط معدلات الفقر العالية والبطالة للأفراد بالعجز المالي والتجاري للدولة , وبالرغم من ترشيد المستوردات فما زال إجمالي الواردات أكثر من الصادرات, ويترافق هذا بارتفاع أسعار البضائع المستوردة والمحلية حتى المعاملات أو الخدمات الحكومية , وتدني القدرة الشرائية للناس بسبب فقد العملة جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية بسبب تذبذب وارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية أمام الليرة السورية, هذا يؤدي إلى ضعف ثقة الأفراد بها كمخزن آمن للقيمة.
يشكل مبلغ الفائدة كلفة استخدام الأموال لفترة زمنية محددة , وهذه الكلفة يجب أن ترتفع طرداً مع ارتفاع مؤشر الأسعار بشكل عام أي أن يتناسب سعر الفائدة مع معدل التضخم, مثلاً : في روسيا عندما وصل معدل التضخم بحدود 12% في سنة 2015 كان معدل الفائدة على الروبل 15%, أما في عام 2019 حيث معدل التضخم 5.3 % فقد بلغ سعر الفائدة 7.25 % في هذا السياق , تعتبر الفائدة الحقيقية هي حاصل الفرق بين الفائدة الاسمية ومعدل التضخم , فإذا كان سعر الفائدة هو العائد الذي تحصل عليه البنوك التجارية نظير منحها القروض للأفراد أو المبلغ الذي يحصل عليه الأفراد لقاء إيداع مدخراتهم في البنك لفترة زمنية محددة , فهل يقبل الأفراد أن يودعوا أموالهم في البنك عندما يكون سعر الفائدة أقل من معدل التضخم ؟ الجواب سيكون طبعا بالنفي لأنهم ببساطة سيخسرون القيمة الحقيقية لأموالهم تدريجيا .

الحالة المعروفة في اقتصاديات الدول, أن سعر الفائدة مرتفع أكثر من معدل التضخم, ولكن حيث أن الإنتاج بكل أنواعه يستلزم رأس مال, هل يستطيع المواطنون دفع كلفة الأموال التي سيحصلون عليها كقروض من البنوك في ظل معدل تضخم مرتفع؟ وحتى لا يحول سعر الفائدة دون العملية الإنتاجية, لذلك فإن المصرف المركزي حدد سعر الفائدة ب 7.5 % وهذا شيء ايجابي ومهم للمقترضين ولكنه ليس كذلك بالنسبة للبنوك أو الدائنين, وهنا يلوح سؤال مهم , هل يستطيع البنك المركزي أن يمنح القروض ويدعم الفوائد المتدنية بشكل مستدام؟ بالتأكيد الجواب سيكون لا, لأن الفوائد المنخفضة لا تشجع المودعين.
في ظل جو من تركز الأنشطة الاقتصادية سواء المناقصات الحكومية وعمليات الاستيراد أو التصدير بيد مجموعة معينة من رجال الأعمال, تبرز نشاطات المضاربة على سعر الصرف كنوع من الأعمال التجارية المجدية بالرغم من المخاطر التي تكتنفها, سواء باعتبارها أنشطة غير مشروعة أو بانعكاسها السلبي على الإقتصاد الوطني بشكل عام, في هذه الحالة تستطيع الدولة أن تقوم بإجراءات زاجرة ضد المضاربين ولو أنها أثبتت فشلها سابقا, كما يجب على الحكومة أن تتبع سياسات للحد من استخدام أموال القروض في المضاربات, بأن تعطي القروض على شكل خطوط ائتمانية يتم صرفها بموجب وثائق البدء بالمشروع الإنتاجي أو وصول الآلات أو المواد الأولية, وأن لا تعطى القروض بشكل نقود يمكن أن تدخل بعملية المضاربة وتزيد الطين بلة .

قد تساعد القروض الخارجية أو اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة على إقامة المشاريع الإنتاجية أو السياحية, وبما يتم ضخه من أموال يمكن تأمين فرص عمل وتخفيض معدلات البطالة و الفقر, ولكن يجب نأخذ بعين الاعتبار أن هذه القروض ستكون عبئا ثقيلاً على الأجيال القادمة, لما يحيط بها من سوء استغلال ( كما حصل في الخط الإئتماني الإيراني ), وبما يرافق هذه القروض من تدخل في السياسات الاقتصادية للبلد لفترة طويلة تمتد على طول فترة السداد, أما جذب الاستثمارات الخارجية , فيبقى مرهوناً باستقرار الوضع السياسي المحلي و الدولي, إضافةً لثبات سعر الصرف النسبي ووضوح الرؤية العامة ونضوج البيئة الاستثمارية والتشريعات الاقتصادية.
إن التوازن بين التضخم وسعر الفائدة وتأمين الاستقرار لسعر الصرف هو تماماً مفتاح التعافي الاقتصادي, والعلاقة الملتبسة وغير المفهومة بين هذه المفردات تشكل المعضلة الحقيقية للاقتصاد السوري, ولإحداث هذا النوع من التوازن بين تخفيض معدل التضخم والاستمرار في ضخ الأموال في شرايين الاقتصاد السوري لتشجيع الإنتاج, فإن كلمة السر هي إرساء حكم القانون على الجميع بدون محاباة لأحد, بما يسمح بمحاربة الفساد ويساعد على إعادة هيكلة موارد الدولة.

 

إضافة تعليق