ثلاث حكايا مع أيمن زيدان: لتكون فقيراً ليس مطلوباً إلَّا أن تكون مواطناً!

ثلاث حكايا مع أيمن زيدان: لتكون فقيراً ليس مطلوباً إلَّا أن تكون مواطناً!

حسن عبد الرحمن

ثلاث حكايا نص مسرحي أرجنتيني العنوان سوري المكان، من إخراج الفنان القدير أيمن زيدان، يعرض حالياً على مسرح صالة الحمراء بدمشق. عاد الفنان أيمن زيدان إلى جمهوره المسرحيّ الذي حضر جلوساً ووقوفاً في مسرح صالة الحمراء بدمشق، جمهورٌ يعشق المسرح ويتشوَّق لعودته القوية والفاعلة كما في الأيام الخوالي. لم يفاجئني عدد الحضور الكبير، فالفنان أيمن زيدان في ذاكرة جمهوره في المسرح والتلفزيون والسينما، والجميع يقدِّرونه ويحبونه على خشبة المسرح، ويتذكَّرونه بعروضه التي مازالت حاضرةً في الذاكرة.


بالعودة إلى مسرحيَّة ثلاث حكايا، فقد أمتع زيدان جمهور المسرح بعرضٍ ذكيٍّ ومميَّز، واستفاد من إمكانات خمسة ممثلين شباب بينهم ابنه حازم، ممثلون ليسوا من الأسماء المعروفة في عالم المسرح ولم يتعوَّد عليهم الجمهور ومع ذلك فقد تفاعل بحماس مع مسرحٍ جميل وحساس ومقنع. وظَّفه أيمن زيدان في سياق ما يعيشه المواطن السوري من متاعب وصعوبات أعقبت ظروف الحرب، بأدوات إخراجيَّة بسيطة.

لم يتغير ديكور الخشبة لأكثر من ساعة ومع ذلك لم نشعر بذلك، فقد كان الممثلون بأقنعتهم الضاحكة وتنقُّلهم بين أطراف ومنتصف الخشبة ينقلون إحساسنا بالمكان والمشهد وخلفية الحدث، لقد أظهر أيمن زيدان براعةً في إدارة خمسة ممثلين طوال ساعة العرض دون أن يشعر الجمهور بقلَّة عددهم فقد كانوا ينتقلون من شخصيَّة إلى أخرى بخفةٍ وبراعة مع أنَّهم حديثو العهد بالمسرح، وهذه تسجل أيضاً لأيمن زيدان كمخرج موهوب صاحب تجربة عريقة، فقد استفاد من كل إمكانيات الممثلين ووقتهم، وجعلهم يلعبون أكثر من دور منتقلين بين دور وآخر مختلف، بين الثلاث حكايا دون أن يؤثِّر ذلك على سياق المسرحية ورسالتها التي أراد لها المخرج أن تصل. أقنعتهم الضاحكة التي ظلَّت على وجوههم طوال فترة العرض، لم تُخفِ تراجيديا الحياة اليومية التي يعيشونها.


"معك فرنك بتسوى فرنك" هذه العبارة التي لم تتغير منذ اختراع الفرنك، فما يزال الإنسان يعيش في هذه الدائرة منذ بداية التداول بالعملة إلى اليوم. لقد جعلت الرأسمالية من الإنسان عبداً لما يملكه وجباراً على من لا يملكون، ولم تنفع النفحات الإنسانية والنزوع إلى الخير في مواجهة مخرز رأس المال وأدواته.

اختار أيمن زيدان التركيز على الجانب الإنساني وقوَّة وضعف الإنسان لينقل لنا سطوة من يملكون وسطوة الأجهزة والدولة على مواطنيها، دون شعارات أو خطابات. ففي الدولة الريعيَّة الفاسدة يعيش المواطن الإنسان مهمشاً مهاناً راكضاً خلف لقمة العيش التي يحصل عليها بمذلةٍ وضعف. (لا يكفي أن تكون كلباً في حكايا أيمن زيدان، بل يجب عليك أن تتصرف ككلب، عليك أن تنبح وأن تمشي على أربع حتى تعيش.)

لتكون فقيراً ليس مطلوباً منك سوى أن تكون مواطناً.

الجمهور تفاعل ضاحكاً وبحماس مع موسيقى اللازمة "أنا سوري يا نيالي" التي تكررت أكثر من مرة في المسرحية للإيحاء أننا في سورية ولكنها لم تكن ضرورية، وربما خففت من حساسية الحالة الدراميَّة والحالة الإنسانية التي سيطرت على وجدان الجمهور طوال فترة العرض، كان واضحاً أننا في سورية وفي كل مكان.

ذكَّرني العمل المسرحي لأيمن زيدان بما يدور في كواليس المثقفين السوريين والقول عنه أنَّه مصرٌّ على أن يكون مخرجاً في السينما والتلفزيون مستفيداً من شهرته كممثِّل، وأن عليه ترك الأمر لأولي الأمر غمزاً من قناة أعماله الإخراجية، أنا شخصياً حضرت فيلمه السينمائي "أمينه" وحضرت مسرحيته "ثلاث حكايا" وقبل الحكم على نجاحه في الإخراج علينا أن نطالب من ينتقدون دخوله عالم الإخراج من مخرجين في السينما والتلفزيون ممارسة دورهم في هذا الوقت الصعب على الفن والثقافة، وإذا لم نجدهم اليوم فمتى سيكون دورهم. "دعونا نستفيد من كلِّ هامشٍ ممكن لنقول إننا مواطنون ولنا حقوق." ما الفرق بقول ذلك من مخرج أو فنان أو كاتب إذا نجح في إيصالها؟ يحق لمن يستطيع أن يقول ذلك بأية لغة.

تحيَّة للفنان أيمن زيدان مخرجاً وفناناً

 

 

إضافة تعليق