أسعار مواد البناء تطيح بأحلام السوريين

أسعار مواد البناء تطيح بأحلام السوريين

دمشق- ريم غانم
كشفت تقارير اقتصادية أخيرة أن أسعار مواد البناء في سورية تضاعفت أكثر من % 1000 خلال ثمان سنوات، وأطاح هذا الارتفاع بأحلام السوريين لشراء أو بناء مسكن. كل الطرق أصبحت مغلقة أمام ذوي الدخل المحدود نتيجة اضطراب حركة السوق، حيث أكد عدد من الخبراء الاقتصاديون أن تكاليف قطاع البناء والتشييد جعل حركة البناء تتراجع إلى حد كبير.

لا أحد يستطيع التنبؤ متى تعود الحركة وسط شلل سوق العقارات، فقد تحول الطلب إلى الإيجارات التي حلًّقت بدورها، وعليه لم يعد من أحلام السوريين اليوم شراء منزل أو بناء منزل فقد أصبح المواطن عاجزاً عن تحقيق ذلك خلال السنوات الأخيرة، لا سيما أن مرحلة إعادة الاعمار التي تعتمد على هذه المواد قد بدأت مما يعني ارتفاع الأسعار مجدداً، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول المسؤول عن الوصول لهذا الوضع؟

تلاعب وجشع وأسعار صرف
كل ذلك كان له تبريرات حكومية، فالجهات الرسمية تعلق كل خلل على شماعة الأزمة، ومن أبرز هذه التبريرات وفقاً لخبير اقتصادي العقوبات الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار، إضافة إلى طمع وجشع التجار وتلاعبهم بأسعار مواد البناء دون حسيب أو رقيب، لينعكس ذلك على ارتفاع سعر الحديد والإسمنت ومواد البناء كافة، وتراجع أصحاب العقارات عن أعمال البناء.
بدورهم أصحاب المكاتب العقارية أكدوا على تراجع الطلب على شراء العقارات، لتراجع حركة البناء بسبب ارتفاع تكاليف هذا القطاع بعد أن تضاعفت بشكل حاد، وهو ما جعل الاحتكار يظهر بقوة في السوق وارتفعت أسعار الشراء معها بشكل جنوني، فيما توجه السواد الأعظم من السوريين إلى الإيجار التي زادت أسعاره بدورها في المناطق الآمنة، وكان المتضرر الكبير المواطن.
أما المقاولون فقد أجمعوا على أن سعر الصرف هو المشكلة الكبيرة التي سببت هذا الارتفاع والذي أدى الى ركود في سوق العقارات بسبب ارتفاع أسعار البناء بشكل كبير يفوق قدرة المواطن العادي على الشراء، بالتالي تضررت جميع الأطراف من المقاول إلى المواطن مروراً بالأيدي العاملة، فيما تحدث مقاولون أخرون عن أن ركود السوق وارتفاع الأسعار دفع بهم إلى إيجاد حلول بديلة في عملهم تتمثل بالتوجه إلى الترميم والإكساء، كي لا تتوقف أعمالهم.

مشاريع متوقفة وواقع أسوء
الارتفاعات المتواصلة لمواد البناء الأساسية وعدم حسم موضوع فروقات الأسعار التي تختلف بين كل منطقة ومحافظة، جعل الواقع أسوء بكثير من قدرة أصحاب القرار على إنقاذه، يقول نقيب مقاولي سورية محمد رمضان الذي تحدث عن واقع حركة البناء وأن هناك الكثير من المشاريع التي توقفت وأصبح من الصعب إنجازها مع استمرار الصعوبات التي فتكت بها القطاع، مشيراً أن الأزمة التي تمر على البلد ساهمت بارتفاع جنوني للأسعار، كما ساهمت العقوبات بفقدان مواد متعددة تدخل في تنفيذ العقود منها ذات منشأ محلي ومنها ما هو مستورد، جعل واقع المهنة في الحضيض، وبحاجة إلى انقاذ.

من جانب أخر يؤكد رمضان أن عمل المقاولين لم يتأثر بهذه الأسعار فالقانون يضمن تعويضهم بنسبة 15 %، لكن اليوم هناك ركود كبير في حركة البيع.

نقيب مقاولي ريف دمشق عكرمة عساف وأحد أعضاء لجنة تحديد أسعار مواد البناء قال: ارتفعت الأسعار منذ عام 2011 سبعة أضعاف، وذلك بسبب ظروف الحرب التي أثرت على سعر الصرف وكان نتيجتها فروقات كبيرة في الأسعار، يقول عكرمة: "إن التراجع في حركة سوق العقارات يعود إلى توجه الكثيرين خلال فترة الحرب إلى المناطق الآمنة وذوي الدخل المحدود لا يستطيعون الشراء فتوجهوا إلى الإيجار، فالبيت الذي كان سعره 5 ملايين أصبح اليوم 25 مليون ليرة سورية، أي أن الزيادة تتناسب مع ارتفاع الأسعار، حيث كانت تكلفة سعر المتر المسلح أو المربع 5000 آلاف ليرة، أما اليوم فأصبح 50000 ألف ليرة سورية، كما أن أسعار البناء تراجعت بشكل ملحوظ في الأماكن الساخنة، بالمقابل ارتفعت في المناطق الآمنة، وهو ما حصل في معظم مناطق الساحل."

 تراجع انتاج مواد البناء
لم ينف أصحاب القرار تراجع إنتاج الاسمنت الذي يأتي معظمه من معامل القطاع العام فهو تأثر كغيرة بالحرب، وعليه اقتصر الإنتاج على معامل إسمنت طرطوس وحماه وعدرا والتي تعمل بالطاقة الإنتاجية رغم تآكل خطوطها الإنتاجية التي تحتاج إلى صيانة دائمة، لكنها لا تستطيع تغطية كل حاجة البلاد الراهنة.

فالشركة العربية للإسمنت ومواد البناء في حلب متوقفة منذ عام 2012 وبعد تحرير المحافظة انتهت الشركة من المرحلة الإسعافية لها والمتضمنة تمكين العمالة وتمديد خطوط كهرباء وتأمين المياه للشركة وتهيئة المكاتب، كما تم إعادة بناء 3 مستودعات وترتيب قطع تبديل أخرجت من تحت الأنقاض وكل ذلك باعتمادات مالية من قبل وزارة الإدارة المحلية، وشركة إسمنت الشهباء مدمرة بالكامل وخالية من جميع تجهيزاتها نتيجة سرقتها من المجموعات الإرهابية المسلحة،

أما شركة إسمنت الرستن فلا تزال على حالها لكنها بحاجة لوقت قصير لإعادة صيانتها وتشغيلها، وعليه أكدت نقابة البناء أن تطوير إنتاج الإسمنت ضرورة ملحة وفي إطار المؤسسة العامة للإسمنت واعتماداً على القطاع العام الإنتاجي إضافة للمنشآت الخاصة الجديدة في إطار خطة وطنية لإنتاج كميات كافية لاحتياجات إعادة الاعمار، فبناء المنشآت والضواحي السكنية يحتاج لكميات كبرى من الإسمنت بأنواعه المختلفة والطاقات الانتاجية القائمة اليوم غير كافية ولكنها تشكل الركيزة الأساسية وخاصة معامل القطاع العام لتوفير هذه المادة والتوسع في انتاجها عبر إجراء الصيانات والعمرات اللازمة وإدخال خطوط إنتاج جديدة للمعامل القائمة، وإنشاء معامل جديدة بتكنولوجيا حديثة.

ماهي الحلول المطروحة؟
بين نقص الفيول وفروقات الأسعار التي سببها تغير سعر الصرف تستمر أسعار البناء بالتحليق مسببة كساداً في الشراء والبيع، من هنا أكد نقيب مقاولي ريف دمشق أن الحلول البديلة التي يعمل عليها المقاول هي التوجه للترميم والإكساء للاستمرار، أما شركات الإسمنت فاتجهت إلى الاعتماد على الفحم الحجري كطاقة بديلة لمادة الفيول لتوفرها ولأنها ذات جدوى اقتصادية إذ أن كلفة طن الفحم تساوي 1من 10 من تكلفة الفيول الأمر الذي يؤدي لتخفيض سعر الإسمنت والقطاع الخاص، وتعمل المؤسسة العامة للإسمنت بشكل مستمر على تطوير خطوط الإنتاج وزيادة الإنتاجية وإقامة معامل إسمنت جديدة بطاقات إنتاجية عالية، إذ قامت المؤسسة بإعداد دراسات جدوى اقتصادية لعدد من المشاريع المستقبلية.

 

إضافة تعليق