خبز الحياة

خبز الحياة

انصرم الموسم الدرامي الرمضاني لعام 2019 وأسدلت الستارة على بضعة وعشرين عملاً درامياً سورياً أطلت علينا خلاله وخاضت السباق الذي غدا تقليداً سنوياً لا تنخرط فيه شركات الإنتاج والمحطات التلفزيونية وصناع الدراما -على اختلافهم- وحسب، وإنما ينخرط فيه أيضاً جمهور المتابعين من مشاهدين ونقاد وصحافة وإعلام. 

للحقيقة أن موسم هذا العام، فتح الشهية عند جمهور المتابعين –أكثر من غيرهم- على التقييم والتفنيد والنقد والاستلهام والاستقراء، فاهتموا بجميع التفاصيل المرتبطة بهذا الشأن أو المستثارة على خلفيته، فلم يغادروا تفصيلاً إلا والتقطوه، بدءً من حمى عمليات التجميل التي قام بها الممثلون والممثلات على حد سواء، مروراً بالحديث عن عارضات الأزياء اللواتي غدون نجمات هذا الموسم –على ضحالة أدائهن-،  فالحديث والانشغال بالمشاكل والصراعات والنزاعات بين صناع الأعمال من ممثلين وممثلات وكتاب ومخرجين وفنيين وشركات والتي خاضوها على أكثر من منبر، وصولاً إلى الاستنفار الغاضب أو المؤيد لخلفيات الأعمال من سياسية أو ترفيهية أو فكرية أو تسويقية، فاستنفار لا يقل انقساماً بين الغضب أو التأييد حول المواقف السياسية والوطنية لكل منهم، وانتهاء بالخلاصات الجوهرية –التي لم تخل من الانقسام أيضاً- حول الحديث عن جدوى وخلفيات "ظاهرة" الدراما العربية المشتركة أو الحديث عن عودة الألق والانطلاقة للدراما السورية بعد سنوات من التخبط والارتباك والحصار.

وبما أنني لست ناقداً فنياً، فلست في وارد الحديث عن أعمال الموسم الرمضاني بالأبعاد الفنية من صورة وإضاءة وأداء ممثلين وحلول إخراجية ومؤثرات صوتية – رغم أني أرى بحسي المتواضع تفاوتاً بين عمل وآخر ولكن خلاصته مرضية بالمجمل-، كما أنني لن أتحدث عن مقولة عودة الألق للدراما السورية –علماً أنني كمتابع، أجد واقعية في مثل هذا القول-، ولن أتحدث أخيراً عن "ظاهرة" الدراما العربية المشتركة – فلست أرى فيها (كما نفذت حتى الآن على الأقل) سوى ظاهرة تسويقية تجارية على حساب كل قيمة فنية أو فكرية أو إنسانية أو حتى قومية محتملة للعمل الفني-. 
وبالمثل – وباعتباري أيضاً لست صحفياً أو إعلامياً- فلست في وارد السعي وراء سبق صحفي أو إثارة إعلامية أو ترويج مدفوع بالحديث عن صراعات الفنانين و"نكاياتهم" وعمليات تجميلهم وتاريخهم السياسي والوطني وتصريحاتهم وصورهم على الإعلام أو عبر صفحاتهم على الفيسبوك والانستاغرام أو حتى بالحديث عن صراعات أرقام المشاهدة rating للأعمال ومن فاز بقصب السبق. 
إذاً، وباعتباري لست أكثر من مشاهد متابع، مثقل بهمومه الروحية والوجدانية والوطنية والفكرية والثقافية، فإنني سأركز حديثي في هذه اللحظة حول هذه الهموم، بكلام آخر، سأتحدث فقط عن ما أسلفت من هموم، سأتحدث عن "خبز الحياة".

لا أعتقد أنها مصادفة بحتة، بل أظن أنها التقاطة موفقة من قبل القائمين على المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي (الحكومية) أن تأتي أعمالها لهذا العام من ضمن مشروع أطلقته في العام 2018 تحت عنوان "مشروع خبز الحياة"، وأنا في الحقيقة أود هنا أن أقر لهم بما تعمد أغلب النقاد والصحفيين والإعلاميين تجاهله، وساهموا هم –كعادة أي مؤسسة حكومية تعمل بوسائل تقليدية- في تضييعه وحسر الضوء عنه، وهو أنهم كانوا واحداً من اللاعبين الأبرز والحقيقيين في هذا الموسم عبر ستة من الأعمال الجميلة والمهمة والتي تملك مشروعاً حقيقياً، فنياً وفكرياً وإنسانياً وترفيهياً أيضاً، ويستحق ثلاثة منها -على الأقل- أن تعتبر من أهم الأعمال التي قدمت لهذا العام (لن أسمي أعمالاً رغم انحيازي الحقيقي لأعمال بذاتها).

أعتقد أن من حق المستغرب أو المستنكر أن يتساءل، لما أنتصر هنا لأعمال مشروع خبز الحياة؟ لماذا أرغب بالتركيز عليها وتجاهل أعمال عظيمة قدمت من خارج هذا المشروع من قبل منتجين وشركات إنتاج آخرين وحازت على رصيد متابعة مرتفع خلال الموسم الرمضاني؟
في الحقيقة، أود أن أوضح أنني لست في وارد تجاهل أي عمل، وأرفع قبعتي لأعمال أكثر أهمية من أعمال مشروع خبز الحياة قدمت خلال هذا الموسم، علماً أن أغلب الأعمال المهمة الحقيقية لم تحظ أيضاً بما تستحق من نسب مشاهدة، كمسلسل "مقامات العشق" أو "عندما تشيخ الذئاب" أو "العاشق- صراع الجواري" أو "مسافة أمان" ... وغيرها، وذهبت نسب المشاهدة الأعلى إلى أعمال أقل أهمية من مثل "الهيبة – الحصاد" و "خمسة ونص" و "دقيقة صمت" أو حتى "باب الحارة". لكنني أنتصر لأعمال المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي لأسباب عديدة، أهمها:
1-    التجاهل المتعمد من قبل أغلب من قرأت لهم كتابات صحفية أو نقدية حول أعمال رمضان، وإن اهتموا أحياناً فقد اهتموا بأي خبر من هنا وهناك يصب في التصويب على المؤسسة أو إدارتها أو يزكي حالات خلافية بين بعض صناع هذه الأعمال، وابتعدوا عن الخوض في الأعمال بحد ذاتها.
2-    التجييش الهائل لماكنات وفيالق إعلامية قامت بها الشركات المنتجة لبعض الأعمال المتواضعة جداً أو التي لاتملك تميزاً استثنائياً لصالح أعمالها، لدرجة سيطرت التغطيات والاهتمامات حول هذه الأعمال على الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، وفتحت شهية كل من يرغب بالكتابة وشغلت المتابعين والرأي العام في تفاصيل التفاصيل التي لا ينتمي إلا القليل منها لهذه الأعمال من ناحية المضمون أو المقولات. 
3-    المواقف المسبقة -البريئة منها والخبيثة منها كذلك- من الأعمال لمجرد كونها من صناعة مؤسسة رسمية، بحيث وضعت هذه الأعمال تحت مقصلة الأحكام الجاهزة (والمبررة للأسف) لناحية الهوامش الرقابية أو الفساد والفشل المؤسساتي لأي مؤسسة حكومية، علماً أن المتابع لأعمال المؤسسة يرى سقفاً مرتفعاً في المقولات لا تملكه أعمال لجهات إنتاجية خاصة وحتى قنوات تلفزيونية تدعي الحرية والانفتاح (ولعل سلوك تلفزيون أبو ظبي مع مسلسل "عندما تشيخ الذئاب" من الناحية الرقابية خير شاهد على هذا)، إضافة لأنه يلمح أيضاً مشروعاً فنياً وثقافياً في هذه الأعمال أقل فساداً وفشلاً فنياً من أعمال القطاع الخاص عبر إتاحة الفرص أمام كم كبير من الموهوبين الذين يستحقون فرصة، فمسلسل أثر الفراشة (على سبيل المثال) منح فرصة لأكثر من 20 ممثلاً شاباً بمساحات مقبولة ضمن العمل لأن يطلوا على الناس، بعضهم كانت تلك إطلالته الأولى.
4-    الإمكانيات المتواضعة نسبياً من الناحية المادية والإعلامية التي نفذت فيها هذه الأعمال، إذا أن ميزانية بعضها لا تتجاوز كلفة حلقة واحدة من تكاليف عمل مثل "حرملك" على سبيل المثال. 

استوقفتني على مدار هذا الشهر (وماقبله بقليل) الكثير من التصريحات والأحاديث الإعلامية للعديد من كتاب السيناريو والمخرجين (وحتى الممثلين) تتحدث عن كواليس صناعة أعمالهم، وتقر بأنهم ليسوا راضين كلياً عن هذه الأعمال بسبب اضطرارهم لمراعاة الشرط التجاري الذي تتمسك به الشركات المنتجة (رأس المال) والتي تضع هذا الشرط على رأس أولوياتها، هذا الشرط هو من يحدد الخيارات التسويقية للعمل، القنوات التي يمكن أن تشتريه، البلدان التي يمكن أن تقبل بعرضه، الفئات المجتمعية التي يمكن أن تتابعه، وبالتالي يتحول إلى قيد يتحكم (طوعاً) بفكرة العمل ومقولاته وسقوفه واختيار الممثلين حتى ولو أدى ذلك إلى الإطاحة بقيمة العمل الفكرية والثقافية وانحدر برسائله الموجهة إلى درك الغرائزية والتسطيح والتتفيه.

إضافة تعليق