ساعة رملية لقياس أنواع الصبر

ساعة رملية لقياس أنواع الصبر

خليل صويلح
أرسم خرائطي  اليومية بصناعة بهجات عابرة، وحميميات خاطفة، وقراءات مستعادة، ذلك أن استعراض شريط كلّ ما حدث خلال سنوات الحرب، مهمة شاقة، وعسيرة، ومؤلمة.       
 كان خوسيه ساراماغو قد أشار مرّة بأن" القسوة اختراع بشري". مقياس القسوة هنا أشدّ صلابة بدرجات, قسوة لا مرئية تتراكم على دفعات بحكايات مبتورة ووقائع تبدو متخيّلة لفرط غرائبيتها,  القسوة في النظرة المتنمّرة، في العنف اللفظي، في الكراهية المعلنة، القسوة في الفقر الروحي، في العناق الذي ينتهي بخنجر في الظهر، القسوة في اندحار الجمال أمام جدارية القبح الضخمة التي تحاصرنا من كل الجهات.
ولكن ماذا تفعل في دمشق أمام كل هذا الحطام؟ تسألني مذيعة تعمل في إذاعة غامضة, أقول لها: وماذا أفعل خارج دمشق؟ لا أحتمل تراباً آخر, لا معنى للمدن بدون أصدقاء وذكريات وروائح، لا معنى لدمشق من دون دمشق بأبوابها السبعة، وأزقتها المتداخلة، وعطرها السرّي.
في باريس شعرتُ بالضجر بعد ساعتين من التجوال في متحف اللوفر، فاتهمني رفيق الرحلة بأنني بدوي لا يقدّر كنوز الفن! أما في دمشق، فإنني أعيش دمشق، على هيئة ساعة رملية لقياس أنواع الصبر وفقه انتظار ما لا يأتي. في "مقهى الروضة"، أنتظر أصدقاء عابرين، أو أنهمك في قراءة كتاب وسط ضجيج لاعبي نرد نزقين، وأصوات سيارات اسعاف.
لدينا ما يكفي من الموتى، وليس لدينا ما نفعله أكثر من إنجاز مواعيد غامضة في ما تبقى من شوارع ومكتبات وحانات, أعبر ممر مسرح الحمراء ترافقني صور مسرحيين راحلين، فأنصت إلى ضجيج الخشبة، وكأن أصوات هؤلاء لم تغادر المكان. أستعيد صوت إيفان ديميتريتش في" عنبر رقم6" لأنطون تشيخوف:" حياة لعينة، والمصيبة أنها لن تنتهي بمكافأة على الآلام، أو بمشهد ختامي، كما في الأوبرا، بل بالموت".
أكمل طريقي إلى "المكتبة العمومية" في فندق الشام. ألتفت إلى زجاج ما كان يسمى" مقهى البرازيل". هاهنا وراء هذا الزجاج، كان يجلس محمد الماغوط بتبغه وسعاله وسخطه.
 الآن تحتل مكانه محاسبة شابة وراء كوّة زجاجية ضيّقة، بعد أن تحوّل المقهى إلى فرع لأحد البنوك الخاصة. على الرصيف المقابل، أنتبه إلى أن اسم "مكتبة ميسلون" التي أغلقت أبوابها منذ سنوات، احتلته واجهة جديدة لمكتب صرافة باسم"زمزم".
أقول لنفسي: هل علينا أن نغرغر أفواهنا بماء البنكنوت المقدّس كي نشعر بطهارة هذه اللحظة العاتية؟ النادل في" بار أميّة" يدافع بحماسة عن عرق"الريان" فخر الصناعة الوطنية، في مواجهة الإشاعات الكاذبة، يقول جازماً" كل شيء مغشوش في هذا البلد عدا عرق الريان".
أحد المتسكعين يفكّر أين ينام الليلة بعد أن طردته زوجته من البيت بسبب عطالته المزمنة، ومشاريعه الفاشلة، وهناك أيضاً، رواية لأليف شفق في نسخة مقرصنة تقبع على طرف المائدة. لا نسخة أصليّة لحياتنا الآن، في هذه الجغرافيا السائلة والمنكوبة والملعونة.
نسخة مزوّرة فقط، أو "فوتوكوبي حياة"، تماماً، مثلما تفعل " سينما الأهرام" حين تضع إعلاناً ممزّقاً يفيد بأنها تعرض" أحدث الأفلام العالمية"، وتضع صوراً لممثلات إغراء لسنَ موجودات في الأفلام المعروضة في الأصل. ثمّ ستغلق أبوابها نهائياً.
ها نحن نعيش لحظة أفغانستان، والعراق، وكوسوفو، بنسخة متأخرة، ولكن ليس لدينا نسختنا الشخصيّة من محسن مخملباف (قندهار)، أو عتيق رحيمي (حجر الصبر)، أو أمير كوستاريكا (تحت الأرض)، كي نصنع أفلامنا، ووثائق موتنا التراجيدي، كما ينبغي، كأن كل ما يحدث يجري في مسرح للدمى بأصوات مستعارة، فوق منصةٍ باردة.
هنا الدم يسيل من الشقوق، ولا أحد ينصت إلى "هاملت العشوائيات" وهو يهذي:" ثمة رائحة عطنة في مملكة الدنمارك. أما أنا فأخشى أن تكون الرائحة العطنة، انتقلت إلى هنا"!

إضافة تعليق