انتهازية النخب السورية باقية وتتمدد

انتهازية النخب السورية باقية وتتمدد

حسن عبد الرحمن

مع أن رجال الأعمال عموماً أصحاب مصالح وهم يمثلون رأس المال الجبان الذي يلحق الأمان والاستقرار، إلا أن رجال الأعمال السوريين طوال سنوات الحرب السورية كانوا أكثر واقعية ونضجاً من نظرائهم السياسيين والمثقفين السوريين، فمن بقي ومن هاجر لأسباب كثيرة في الغالب ظل حريصاً على عدم القطع مع الداخل، وحافظ على نسج خيوط التعاون وتبادل المنفعة بين رجال أعمال الداخل والخارج. في مصر وفي الأردن والخليج تجمعات مهمة لرجال الأعمال السوريين ممن نجحوا وثبتوا أقدامهم، وشكلو هيئات ناظمة لعملهم، لم يقطعوا صلتهم بالداخل، ولم يخوضوا حروباً ومقاطعةً وتحريضاً ضد زملائهم في الداخل على الرغم من أن بعضهم ليس على وفاق مع الحكومة في سورية ولا مع رموزها الاقتصادية.

بالمقابل فإن معظم المثقفين والسياسيين السوريين الذين غادروا البلد ظلوا طوال فترة الأزمة محكومين بنظرة قاصرة للعلاقة مع الداخل السياسي والثقافي، وكانت الرموز الثقافية السورية بصنوفها المختلفة منقسمة بحدة، ولم يترك مثقفوا الخارج في غالبيتهم منطقة رمادية ولا فرصة للتناغم في بوتقة واحدة مع مثقفين من الداخل حتى لو كانوا معارضين، فقد كان المثقف السوري وقوداً للحرب كما كان الأمر بالنسبة للمواطن العادي الذي سيّرته أهواؤه وغرائزه، وعواطفه، "استُزلم" المثقف كما تم استزلام بعض مكونات الشعب من قبل الأطراف التي تصارعت لتخريب المكان السوري.

المثقف بصنوفه المختلفة يساراً ويميناً انقسم وتشرذم، وكانت النتيجة غياب البرامج السياسية النخبوية والسياسية بمعناها التمثيلي في أحزاب وتيارات، وتفلّت الشارع وانتشرت الفوضى، ما انعكس سلباً على بنيان الدولة بما هي جامع وحامل للاستقرار.
لم يرض المثقف المعارض ببقاء الدولة واعتبرها شراً مطلقاً حتى لو أدى ذلك إلى دمار الوطن دماراً شاملاً ، في سابقة لاتفسير لها من غياب الوعي وسيطرة العمى السياسي والفكري.

يجلس المثقف السوري في الخارج -أي خارج- ويمد يده يحابي يتسول ويتموّل من جهات غارقة بدماء السوري وبالأرض السورية، يعمل هذا المثقف في مؤسسات أكثر فساداً من مؤسسات بلاده ومافيات متعددة الجنسية، بينما يتطهر ويتنصل من أي علاقة مع زميله المثقف السوري في الداخل، ويرميه بأشد التهم عندما ينجز فلماً في دمشق أويقيم معرضاً فنياً في سورية.
ويرمي بالتهم رموزاً ثقافية وفنية في الداخل عاشت حياتها وهي تعارض النظام السياسي في سورية تعرضت للسجن وأشد أنواع الضغوط، ولكنها فضلت واختارت أن تبقى في مكانها، ترسم وتكتب الشعر وتمارس نشاطها السياسي سراً أو علناً.

حارب مثقف الخارج السوري كل منتجات الثقافة السورية التي تعيش في الداخل لمجرد أنها تعيش مع وجود الدولة الباقي، حاربها في المنتديات والمهرجانات والفعاليات الثقافية العالمية أومنعها من الحضور، بغض النظر عما تطرحه، لمجرد أنها جاءت من الداخل، و لابد هنا من الإشارة إلى نماذج لمثقفين في الداخل السوري يصولون ويجولون على مزبلتهم يرفضون ويشيطنون أي مثقف يحمل وجهة نظر مستقلة، ويزاودون بالوطن والوطنية والشعارات الفارغة حاملين سم الإقصاء والتخوين.

في الموسم الرمضاني كما في كل عام يحاول أكثر من كاتب ومؤلف سيناريو سوري يعيش في أحضان أنظمة ساهمت وتسببت بهدر الدم السوري كتابة مسلسلات درامية انتقادية "ونحن هنا لسنا ضد الانتقاد"وتحمل طابع سياسي، وبعض الكتاب كتبوا أعمالهم الدرامية داخل سورية وصوروا هذه الأعمال في المناطق التي تسيطر عليها الدولة وأخذوا موافقات من هيئات الدولة،  ومارسوا عملهم بكل حرية، ثم وبعد اكتمال أعمالهم خرجوا على فضائيات الجيران ومن ساحات خارجية ليصرحوا تصريحات انتهازية بأنهم ضد النظام وأن أعمالهم تهاجم رموز الفساد ورموز سياسية وأمنية وتفاخروا بأنهم احتالوا على ممثليات الثقافة في الداخل وأنتجوا أعمالاً درامية معارضة مسجلين مواقف للبيع والشراء بمعنى (اشتروني يا من تخالفون الحكومة السورية فأنا جاهز للبيع).

هذه النزعة العدمية والانتهازية للمثقف السوري تجلت في مواقف بعض كتاب الدراما السورية في محاولة لتكريس أسمائهم والتهافت على الشهرة واستجداء للمال الخليجي بكل كارثيته ودوره الذي لعبه في تدمير سورية والمكان السوري برمزيته الثقافية والتاريخية.

  طوال السنوات الثمان الماضية من الحرب وإلى اليوم ترغب النخب السورية المهاجرة يمينها ويسارها باستمرار الحرب حتى آخر سوري.

 

التعليقات

مستخدم غير معروف 2019-Jun-04

ولن يستحو أن حظيرة خنزير اطهر من اطهرهم

إضافة تعليق