"شم الشعلة" إدمان ينتشر بين أطفال اللاذقية و "الشؤون الاجتماعية"غائبة (فيديو )

"شم الشعلة" إدمان ينتشر بين أطفال اللاذقية و "الشؤون الاجتماعية"غائبة (فيديو )

اللاذقية - نور علي

لكل حرب تبعاتها وآثارها الاجتماعية والنفسية التي تخلف وراءها عادات مكتسبة قد تكون خطيرة جداً، ولعل أبرز من يمكن أن يتأثر بسلبيات هذه الحرب والانغماس في جوانبها المظلمة هم فئة الأطفال والمراهقين.

بعد دمشق وحلب وصولاً إلى اللاذقية اليوم، إدمان شم لاصق "الشعلة" شبح يخيم على الأطفال السوريين بمختلف أعمارهم، وينذر بخطر يوشك على قتل كل مقومات الفطرة السليمة والبراءة، وتحويل الطفل أو المراهق منهم إلى مدمن، قاتل أو سارق وجميعها ليس لها سوى اسم واحد.."مجرم".

يد تحمل الورد وأخرى تحمل السكين

الطفل "محمد" ابن الاثنا عشرة عاماً يجول بين الحارات ليبيع الورود ومع انتهائه من بيع آخر وردة تبدأ رحلته اليومية مع التسول، هذا الطفل الذي قست ملامحه وتركت مشاق الحياة ندوبها على وجهه وجسده يقع ضحية التشرد والتشرذم الأسري ويصبح مدمن "شعلة" ومتفنن بضرب السكاكين وإطلاق الشفرات.

يقول محمد للمشهد :"منذ 4 سنوات وأنا أبيع الورد في النهار وأتسول في الليل، وأنا طالب في المرحلة الإبتدائية، أسرتي هي من جبرتني على النزول إلى الشارع وبيع كل أمكن بيعه بالإضافة للتسول، وعندما أعود للمنزل خالي اليدين يضربونني ويطردوني خارجاً وأنام على الأرصفة والطرقات".

يضيف محمد :"تعلمت من الشارع كيف لا أخشى أحد، فأنا دائماً أضع في فمي شفرة وعندما أشعر بأي مضايقة لا أتردد في إطلاقها وإن اضطر الأمر فقد أضرب أحدهم بالسكين أيضاً فأنا أجيد استعمالها بمهارة، وتعاطيت لفترة حبوب مخدرة تسمى "زولام" إلى أن تعرفت على شاب يدعى سعيد وهو متسول مثلي وعلمني كيف يتم إفراغ لاصق الشعلة داخل الكيس ومن ثم نفخه واستنشاقه على عدة مرات حتى أشعر أني فقدت توازني وأصبحت بعالم آخر".

"دخلت السجن قسم الأحداث لمدة 7 أشهر بتهمة المخدرات وبعدها أفرج عني وعدت إلى الشارع من جديد، عندما استنشق الشعلة أشعر بدوخة شديدة وأفقد السيطرة وأبدأ بشتم المارة وافتعال المشاكل معهم، ليس مهماً عند أهلي كم أغيب أو ماذا أفعل، المهم فقط هو ماذا سأجلب معي وكم هو ثمن الغلة".

 أحلام ترنو وواقع يتسول ويبيع الغزلة

يقف بإحدى زوايا الطرقات، يضع في فمه "سيجارة" وينادي "غزلة غزلة"، إنه الطفل "علي" ابن الثلاثة عشر عاماً، وجه شاحب نال منه الكرب وعيون تفيض بالدموع، حرمان، فقر، تسول وأخيراً....شعلة. 

يقول علي :"تركت المدرسة وأنا في الصف الأول ونزلت إلى الشارع، لم يجبرني أحد من أسرتي لكن الفقر كان كفيلاً لهذا الخيار، لدي ثلاثة أشقاء في الجيش وأنا المعيل الوحيد، أبيع الغزلة وأتسول بعد تصريفها، أخرج في الصباح الباكر وأعود في العاشرة مساءً، هذا برنامجي اليومي".

ويضيف علي :"لم أرغب ما أنا فيه ولكني مكره عليه، استنشاقي للشعلة ينسيني كل ما يحيط حولي، رائحتها تعكس على لساني مذاقاً مراً لاذعاً، إلا أنها تجعلني في حالة استرخاء وبنفس الوقت سلوكي يصبح عدوانياً، ما كنت لأعرف ماهي الشعلة حتى فعلها أحد المتسولين أمامي واستنشقها وجربتها وأعجبتني حتى غدوت الآن مدمن عليها".

"نحن يا أنسة مكاننا ليس هنا، أنا أحلم بأن يتغير واقعي وأكون متل كل طفل لديه حياة محترمة يلعب مع أصدقاء محترمين، وأن أعود للمدرسة وأتعلم القراءة والكتابة".

 ماهي الشعلة وماهي أخطارها؟

الشعلة عبارة عن مادة كيميائية سامة ذات رائحة نفاذة، تستخدم لأغراض اللصق، وكيميائياً هي مادة تنتمي إلى مجموعة المذيبات العضوية الطيارة. 
تأثير عملية الشم يتم عبر الاستنشاق المباشر للمادة، وتمنح المتعاطي شعوراً بالراحة النفسية والزهو والنشاط لمدة نصف ساعة، ما يدفع الطفل لتكرار العملية ومن ثم الإدمان الذي يسبب ضرر دماغي وتلف الخلايا العصبية، وتظهر تأثيراتها بشكل أساسي بأعراض كضعف التركيز والترنح بالمشي والرعاش، وتنتهي الإصابة العصبية الناجمة عن تكرار هذه العملية بغياب الوعي وحدوث الجلطات الدماغية بسبب نقص كمية الأكسجين وانقباض الأوعية الدموية بسبب زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون.

أجيال الغد وشعلة المستقبل باتوا رهينة "الشعلة"، وعلى تنوع أسباب وصول الأطفال إلى هذا الواقع المأساوي الذي يعد بجيل مخيف زرعت في عقوله ثقافات غريبة لا تمت للبيئة التربوية والحضارية بصلة، وإنما الدم، الإدمان، السرقة وما إلى ذلك هم الشريان الرئيسي الذي يغذي هذه الطفولة التي هي اليوم على مذبح الفقر والجهل من جهة، وإهمال المؤسسات الإجتماعية ودور الرعاية من جهة أخرى، الذين يقومون بتقاذف المسؤولية والتنصل من مثل هذه الحالات، فضلاً على أنه ومن الضروري جداً فرض الرقابة الأمنية المشددة، والتعامل مع مثل هذه الفئة من الأطفال  على أنها المجني عليه وليس الجاني.

 

إضافة تعليق