المحتوى المعارفي السوري .... ما الذي ينقصنا؟

المحتوى المعارفي السوري .... ما الذي ينقصنا؟


جهاد عيسى
تسعة أعوام وسبعة وسبعون يوماً بتمامها وكمالها كان مقدار الرفاهية الزمنية التي امتلكناها في سورية للعبور من المؤتمر الوطني الأول لصناعة المحتوى الرقمي العربي (13-15 حزيران 2009)  إلى المؤتمر الثاني للمحتوى الرقمي العربي – المحتوى المعارفي السوري (31 آب-2 أيلول 2018)، رفاهية لا تتناسب مع تسارع التطورات التقنية ونمو أرقام استخدام الانترنت عبر العالم والتغيرات في مفاهيم التنمية والاقتصاد والاستثمار التي أصبحت تقوم بشكل أكبر وأوسع على المعلومات والمعرفة، هذا عدا عن إعادة تصنيف الأمم والشعوب والبلدان على أساس حجم اتساع "الفجوة الرقمية" فيما بينها. 
لست هنا في وارد الحديث عن تأخر المحتوى الرقمي العربي عن المرتبة التي يجب أن يحتلها، كما أنني لست في وارد إيراد أرقام ووثائق لإثبات ذلك، فالأرقام متاحة عبر العديد من مواقع الهيئات المختصة بذلك وأهمها (w3techs.com)، عدا عن أن الأرقام لمن لا يعرفها صادمة للغاية، ومما يزيد حجم الصدمة (المفارقة) مقارنتها بأرقام المحتوى بلغات لا يقارن عدد الناطقين بها بعدد الناطقين بالعربية، كاللغة الروسية واليابانية والألمانية والفرنسية والفارسية والتركية والتشيكية والكورية والفيتنامية والبولندية ..... وغيرها، وإنما أرغب بمقاربة المؤتمرين اليتيمين والقراءة في معاني انعقادهما، ومانجم عنهما من توصيات.
يحسب لصالح الجهات المنظمة في المرتين أنها اختارت لمؤتمراتها مسميات وعناوين جميلة ومقلقة في الآن ذاته، ففي المرة الأولى، اختار المنظمون (وزارة الإعلام، وزارة الاتصالات والتقانة، الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية واللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم) عنوان "صناعة المحتوى" في إقرار مهم بأن المحتوى لن يتوفر من تلقاء ذاته، ولن يهبط من السماء بالدعاء والابتهال، ولا يكفينا لإيجاده بضعة مبادرات فردية لشباب حالمين عزل من كل شيء عدا الرغبة والطموح، أما في المرة الثانية، فقد اختار المنظمون (الجامعة الافتراضية السورية، المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، المدرسة العربية للعلوم والتكنولوجيا والجمعية العلمية السورية للمعلوماتية) عنوان "المحتوى المعارفي" في إقرار لا يقل أهمية عن الإقرار الأول، بأن ليس كل ماهو رقمي يمكن اعتباره محتوى قابل لأن يستثمر فيه (حتى لو كان التعريف الكلاسيكي للمحتوى الرقمي، وهيئات رصد وقياس نسب المحتوى تعتمد هذا المفهوم) وإنما يجب علينا التفكير أيضاً بقيمة هذا المحتوى ومدى تلبيته للحاجة إلى المعلومة والمعرفة ومقدار تقديمه للخدمة الاجتماعية، الفكرية، الحكومية، الاقتصادية، السياسية، الثقافية .... إلخ (وللمناسبة هنا، وكتأكيد مرير على فائض الرفاهية الزمنية والفكرية والعلمية والاستثمارية التي نمتلكها، فقد حدثني مواكب للمؤتمر أن لجانه التنظيمية والعلمية والإعلامية، قد أنفقوا وقتاً لا بأس به في الجدل حول استخدام الفارق بين استخدام مفردتي "معرفي" و "معارفي"، ونحمد الله أنهم وصلوا إلى توافق وأنقذوا المؤتمر).
بالعودة إلى الوقائع، فقد وضع المؤتمر الأول لنفسه أهدافاً طموحة، وناقش على مدى أيامه الثلاثة طيفاً واسعاً من المحاور، وقيم ومسح الواقع، وعرض لتجارب عالمية بغرض الاستفادة منها، ومن ثم خلص إلى جملة من القرارات والتوصيات، أهمها بدء الانتقال نحو صناعة المحتوى الرقمي العربي وتشكيل لجنة لتحديد الرؤى ووضع استراتيجية وطنية للنهوض بهذه الصناعة قام هذا المؤتمر برسم أهم ملامحها من خلال سبعة عشر بنداً. ثم عاد المؤتمر الثاني ليطرح توصياته، وهي لا تقل طموحاً عن توصيات المؤتمر الأول، بدءاً بإعداد سياسة وطنية مستدامة لبناء المحتوى الرقمي في سورية، وانتهاء بعقد مؤتمر دوري للمحتوى الرقمي العربي كل سنتين، مع تشكيل لجنة لمتابعة تنفيذ توصيات
المؤتمر، مروراً بعدد من البنود والتوصيات يغلب عليها استخدام مفردات من قبيل: دعوة، اقتراح، تشجيع، سعي .... إلخ، وإن كانت لا تخلو –للأمانة- من مفردات من قبيل: إنشاء، بناء، إطلاق، دعم .... إلخ.
إذا أردنا أن نكون موضوعيين، فتوصيات المؤتمرين على قدر عال من الرؤيوية والطموح، إلا أن الموضوعية تقتضي أن نقول أيضاً أن هذا لايكفي، فكل بند من بنود هذه التوصيات بحاجة بحد ذاته لاستراتيجية وعمل يومي وفرق عمل جبارة وورشات تشريعية وتنفيذية لا تتوقف، فلو نفذ عشر توصيات المؤتمر الأول، لما كنا بحاجة لمؤتمر ثان، أو على الأقل لكان من الممكن الانطلاق في المؤتمر الثاني من نقطة إنجاز ما، والأمل بالوصول لنقطة إنجاز أفضل.
أخيراً، ولكي لا نبقى في حديثنا هذا، ندور في حلقة التنظير والسوداوية والتباكي المفرغة، لابد لنا من أن ننتقل إلى السؤال الجوهري في مقالتنا هذه:
- ما الذي ينقصنا؟
وسأجيب هنا بعدة نقاط: 
1-    ينقصنا الدعم والتوجيه من أعلى سلطات القرار في البلد. فإذا كان كلا المؤتمرين قد عقدا برعاية كريمة من السيدة الدكتورة نجاح العطار- نائب رئيس الجمهورية، وهي المشهود لها -من قبل كل عاصروا إمساكها بملفات وطنية سابقة على صعيد الثقافة واللغة العربية- بأنها تملك الرؤية والقدرة والعزيمة على العمل بفعالية على هذه الملفات وتحقيق الإنجازات، فإننا اليوم أيضاً، يحدونا أمل بأن لا تكتفي السيدة العطار بالرعاية وإنما تقديم الدعم والضغط باتجاه وصول توصيات هذه المؤتمرات إلى غايتها.
2-    ينقصنا التبني والعمل، فإذا كان المؤتمران قد حضرهما طيف واسع من الوزارء المعنيين بشكل مباشر بالأمر، فإن من حقنا أن نتوجه إليهم بالسؤال، ما الذي تم تنفيذه في هذه الوزارات من توصيات المؤتمرين المنوطة بوزاراتهم، أو على الأقل، ماهي مشاريع المحتوى الرقمي الحقيقية التي نهضت في هذه الوزارات فيما يتعلق بالمحتوى الذي تملكه هي؟، أو على الأقل، هل المواقع الإلكترونية لهذه الوزارات مبنية وفق معايير بناء محتوى رقمي وفعال؟، وهل يتم تزويدها بالمحتوى الذي يشجع الناس على التفاعل معه ويلبي احتياجاتهم؟، – قبل أن نسأل ما الذي قدمته هذه الوزارات لمشاريع الجهات والأفراد الآخرين ومدى الجدية في توفير وإتاحة المعلومات لها-.
3-    تنقصنا المتابعة، فالمؤتمر (أي مؤتمر) يعقد على مدى يومين أو ثلاثة، ويقضي الجزء الأكبر من وقته وجلساته في عمليات التعارف بين الحاضرين، والمراسم البروتوكولية المعروفة، وغالباً ماتكون مسودة التوصيات معدة مسبقاً من قبل اللجان التحضيرية، وبالتالي فالأهمية تأتي بعد المؤتمر من خلال الانعقاد الدائم لاجتماعات اللجان لنقل التوصيات إلى حيز الواقع ووضع الخطط التنفيذية لها وتتبع تنفيذها، عدا عن ذلك فإن كل مؤتمراتنا وتوصياتها لن تعدو كونها فلكلوراً إحتفالياً وكلاماً إنشائياً جديراً بالحفظ في مصنفات فاخرة  (وننوه هنا بأن مايميز المؤتمر الثاني أن بعض توصياته الهامشية قد بدأت تبصر النور وتنفذ، مع الإشادة بدور الجامعة الافتراضية السورية في ذلك والتمني بأن يكون للجوهري منها نصيبه من التنفيذ أيضاً) .
4-     ينقصنا الإمكانات والبنية التحتية، إذ غاب بشكل شبه كامل عن المؤتمرين الحديث عن النفاذ إلى شبكة الإنترنت وكفاءته وأسعاره ومعدلات النفاذ وعرض النطاق المستخدم، وهي جميعاً أمور تشكل عائقاً أمام فعالية النشر وكفاءته وتفاعل المستخدمين معه.
5-    ينقصنا ترتيب الأولويات، فإذا نظرنا إلى توصيات المؤتمرين، نرى جملة من البنود التي لا يمكن أصلاً إطلاق مشروع حقيقي للمحتوى الرقمي قبل تحقيقها، مثل إصدار القوانين والتشريعات، إنشاء مركز رصد لتقييم الواقع، بناء القدرات اللازمة لتطوير المحتوى، الإسراع في إطلاق آليات الدفع الإلكتروني (والتي هي أيضاً بحد ذاتها نمتلك رفاهية قضاء عشرات السنين في التخطيط والتنظير والدراسة قبل أن تصبح أمراً واقعاً).
6-    ينقصنا الشراكة الحقيقية، فإذا كان الجزء الأكبر من مشاريع المحتوى الرقمي الذي نطمح إليه، هي مشاريع حكومية أو أن مادتها الأولية من معلومات وبيانات تقع تحت سيطرة ووصاية جهات حكومية أو شبه حكومية أو هيئات إدارية، فإن هناك جزء لا بأس به من هذه المشاريع يمكن لشركات خاصة أو مجموعات وأفراد أن تنهض به (وهم يحاولون ولا يقصرون)، هذا عدا عن المشاريع والمبادرات الواعدة التي وإضافة لعناء إطلاقها والقيام بها وتمويلها، يتكبدون عناء إقناع أو دفع الجهات الحكومية أو شبه الحكومية أن تتبناها وتتيح لها الوصول للمعلومات أو أن تقدم لها دعماً من أي نوع، أقله وأبسطه الدعم المعنوي (إذا لم نتحدث عن الدعم المادي أو بعض الإعفاءات من الضرائب والرسوم) وأنا أشهد على أن هذا الأمر لا يحصل (إن لم أقل ماهو أكثر مرارة).
خلاصة الأمر ينقصنا الإيمان، بكل أشكاله ومعانية، الإيمان بالوطن، بالإنسان، بالأمة، باللغة، بالمصير، بالوجود...... وإن كنت لا أرغب باختتام مقالي بعبارة أكثر سوداوية وتحويل السؤال بحيث يصبح:
- ما الذي لا ينقصنا؟
 

إضافة تعليق