الكاتبة الروسية الساخرة نديجدا طيفي إلى العربية للمرة الأولى

الكاتبة الروسية الساخرة نديجدا طيفي إلى العربية للمرة الأولى

المشهد -  ثقافة
يفتح الكاتب والمترجم السوري الدكتور نوفل نيّوف، للمرة الأولى أمام القارئ العربي الباب على مصراعيه لتذوق فن جديد قديم من فنون الأدب الروسي من خلال ترجمته "كل شيء عن الحب" للكاتبة الروسية الساخرة نديجدا طيفي 1872 – 1952، التي تركت لزوجها أولادها الثلاثة وتفرغت للأدب طوال حياتها.
مؤلفات طيفي التي كانت غائبة تماماً عن المكتبات العربية لعقود طويلة استطاع خلالها الأدب الروسي دخول بيوت معظم الناس في مختلف أرجاء المعمورة وما زالت مؤلفاته تلف وتدور تضاريس الكرة الأرضية من أقصاها إلى أقصاها... اليوم يستدرك  الدكتور نيّوف، الكاتب والشاعر والمترجم المرموق، النقص في العناوين المترجمة من الروسية إلى العربية من خلال تقديمه كتاباً يشكل إضافة نوعية لناحية مؤلفته ومكانتها في الأدب الروسي، والتي لم يصلنا عنها أي شيء يذكر ضمن سياق روائع الأدب الروسي وعباقرته الذين أسهموا في تغيير فكر الإنسانية بإبداعاتهم التي لامست عقول وشغاف قلوب الكثيرين.
يحاول الدكتور نيّوف من خلال ترجمته لـ "كل شيء عن الحب" - تأليف نَديِجدا طيفي التي يجمعها مع تشيخوف حسُّ سخرية مرهفٌ ورفيع- إيصال ما غاب عنا سابقاً لتكتمل لنا صورة الأدب الروسي المعاصر، وأهمية هذا الكتاب المميز -الذي يبدو أن مترجمه غامر في سبيل إنجازه وتقديمه كوجبة دسمة للباحثين عن هذا النوع من الأدب- تنبع من كونه الأول المترجم لـ طيفي إلى العربية، ويفتح نوافذ جديدة على الأدب الروسي الذي شغل العالم على مدار عقود طويلة.
الدكتور نيّوف يقول مقدماً للكتاب "التحفة" إن "شمس الرواية الروسية التي مالت للغروب، أواخر القرن الـ 19 لم تُخْلِ مكانها للفراغ، بل كان ثمة ما يشبه تبادلَ الأدوار. فقد راحت الرواية تنسحب شيئاً فشيئاً إلى الخط الثاني، وهي تستظلّ بشمس القصة البازغة التي كانت تعلن عن مخاض الولادة والصيرورة عبر إبداع كلٍّ من نيكولاي ليسكوف (1831 ـ 1895)، وغْليب أوسبينسكي (1843-1902) وفسيفولود غارشِن (1855-1888)، لتبلغ ذروة نضجها في قصص أنطون تشيخوف (1860-1904) الذي أدخل القصة الروسية منعرجاً نوعياً جديداً شقَّه وأغناه. وسرعان ما حفل العقد الأخير من ذلك القرن بجيل كامل من القاصّين الروس احتلوا أماكنهم على عرش الإبداع، جنباً إلى جنب مع تشيخوف، يتقدمهم جيل تسعينيات القرن الـ 19 (مكسيم غوركي 1868ـ 1936، ليونيد أندرييف 1871 ـ 1919، إيفان بونِن 1870 ـ 1953، وكوبرين 1870 ـ 1938...)، وأقلّهم شهرة لدى القارئ العربي نَديِجدا طيفي 1872 ـ 1953 التي يجمعها بـ حسُّ سخرية مرهفٌ رفيع".
  ولدت نَديِجدا طيفي عام 1872 في بطرسبورغ، في أسرة من النبلاء لأبٍ روسي، أستاذٍ شهير في القانون، وأمٍّ من أصولٍ فرنسية كانت مولعة بالأدب الروسي والآداب الأوروبية. تربّت نَديِجدا في بيت كثير الأولاد. أنهتالمدرسة الثانوية في بيتروغراد عام 1890 تزوجت وأنجبت ثلاثة أولاد (بنتان وولد) انفصلت عن زوجها عام 1900 لتستقرّ في بطرسبورغ ناذرة نفسها للإبداع الأدبي فقط.
في عام 1901 بدأت طيفي تنشر قصائد متفرِّقة تذيِّلها باسمها الصريح (نَديجدا لوخفيتسكايا). وبعد ثلاث سنوات راحت تنشر قصائدها وكتاباتها الساخرة بانتظام. ثم نشرت أول قصة لها عام 1905. أمّا لقبُها الأدبي (طيفي) فقد ظهر أول مرة عام 1907 على غلاف مسرحيتها "قضية المرأة".
ويضيف الدكتور نيّوف في مقدمة كتابه: منذ البداية لفتت نَديِجدا طيفي الأنظار إلى بواكير قصائدها الساخرة وفي ربيع عام 1905 لاقت قصيدتها "النحلة الصغيرة" الاستحسان، وأعيدَ نشرها مراراً في مجموعات "الشعر الوجداني السياسي". وباتت يومها أحد أبرز العاملين في جريدة البلاشفة، "نوفَيا جيزْن" (الحياة الجديدة).
ويوضح: طيفي كانت تنشر كتاباتها في عشرة منابر صحفية تقريباً. وفي مجلة "ساتيريكون" الساخرة (تأسست سنة 1908) وحققت قفزة إبداعية كبيرة، إذ كانت أكثر الكتّاب الساخرين التزاماً بقضايا الحياة (بعيداً عن الفنتازيا والمبالغة والتهويل)، تحسن إيجاد المضحكِ في العاديّ، وفي عام 1909 باتت طيفي كاتبة دائمة في جريدة "روسكويِه صْلوفو" (الكلمة الروسية)، حيث جسّدت موهبتها الإبداعية على أكمل وجه.
صدر أول كتابين لها "سبعة أضواء" (شعر)، و"قصص ساخرة" عام 1910 وقد حظيت بنجاح كبير وأعيد نشرها ثلاث مرات في عام واحد. وسرعان ما صدر عام 1911 جزءٌ ثانٍ من "قصص ساخرة" جعل النقاد يضعون مؤلفته في القمة، بينما تشكل قصة "أشباه البشر" بيانها الأدبيّ المميّز الذي يضيء إبداعها كلَّه.
ولم تتوقف طيفي بعد ذلك عن الكتابة والنشر. فقد أصدرت عامَي 1913 و1915 مجلّدين من مسرحيّاتها: "ثماني منمنمات" و"منمنمات ومناجاة". غير أن نغمات الحزن أخذت تتزايد في عدد من قصصها وأشعارها.
توفِّيت نَديجدا طيفي يوم 6 تشرين الأول 1952.
ويشير الدكتور نيّوف أنه رغم ما أصابها من فقر وبؤس وعزلة ومرض في المرحلة الأخيرة من حياتها، فإنها لم تيأس وكانت مجموعتها القصصية "قوسُ قُزَحٍ أرضيّ" (نيويورك 1952) آخر ما صدر لها في حياتها من كتب بلغ عددها ثلاثة وثلاثين كتاباً.
 ويشرح المترجم أن طيفي في قصصها لا تسخر أو تضحك من الحمقى والمعتوهين والغُفّل، وإنما من الأسوياء: لحظة نضع أنفسنا موضع الإضحاك والشفقة والغفلة وانسداد الطريق... فهي ترفض السخرية الفظة، النابية، الناتئة، المبتذلة، أو التهريج الممجوج الذي يطفح به بعضٌ من شاشاتنا العربية الكبيرة والصغيرة وإذاعاتنا الخاصة. أي أن هذه الكاتبة تفرق بقوة بين السخرية كفنٍّ راقٍ رفيع، وبين التهريج والإضحاك، أو "التضحيك"، كإسفاف.
 ويضيف: لكي يصبح المرء كاتباً ساخراً يجب أن يكون عالِمَ نفس مفطوراً على الرهافة ودقة الملاحظة، بالغَ الشفافية، نافذ البصيرة، محباً للبشر، قادراً على الكشف عمّا هو إنساني مغمور، غافٍ في الإنسان الذي يبدِّد عمره وأنفاسه في الظلام والخرافات والعفن.
  في قصصها تسلّط طيفي الضوء على مواقفَ كشّافةٍ قد توهم النظرةُ السريعة بأنها سطحية وعابرة. إذ إنها تفعل ذلك بوساطة مزيج أسلوبي يمكن أن ندعوه بالفكاهة التهكمية الحزينة. ورغم ما في دمج هذه الكلمات الثلاث من مفارقة ظاهرية بادية، تظل هذه المفارقة بعيدة عن الغرابة والإنكار. ذلك أن المنطق الفني الداخلي لهذه القصص يكمن، جوهرياً، في هذا التركيب المفارِق، المثقل باللامنطق ظاهرياً، بل وربما ظاهرياً فقط.
        إن طيفي تعمل، بعفوية شاعرية، على إبراز أحداث صغيرة، تبدو – خارج سياقها الفني – تافهة؛ فتضفي عليها مدلولات خصبة، عسيرة الالتقاط على من لا يستطيع أن يرى إلا السطح أو الأشياءَ الكبيرة الناتئة. وبين تلك الأحداث ما يصعب، عادة، أن يخضع للمنطق العادي، ولا سيّما في تصرفات المرأة وسلوكها. ولا غروَ، فكبار الأدباء هم دائماً مكتشفو تضاريسَ خفية، بل وقارّات مجهولة في المتاهة الكبرى التي نسميها النفس البشرية.
الدكتور نيّوف يقول إن الحياة عند أبطال قصص طيفي وبطلاتها أبسطُ بكثير مما نظن، غير أن الفلسفة العميقة المؤسية لهذه الحياة ماثلة في تلك البساطة بالذات. هناك لحظات حاسمة في حياة الإنسان، ولكنه يتعامل معها بوصفها لحظات عادية وبالغة الرتابة، أي بشكل من أشكال اللامبالاة أو اللامسؤولية. وطيفي تركّز اهتمامها على استكناه هذه اللحظات، وعلى تشريحها واستبانة خفاياها وتبِعاتها، معتمدة على أدوات الفن وحده.... إن طيفي كثيراً ما تعتمد في قصصها على تلميحات شفّافة أو انقلابات غير متوقّعة، وذلك واحد من الأسباب التي تجعل السرد يوهم أحياناً بأننا أمام حكاية أو مقالة تأملية. إلا أن القصة تدفع بالقارئ إلى إعادة القراءة وإعمال الفكر (وهذا بحدّ ذاته واحد من أهداف الفن) لتظل في مأمن من السقوط في هذا الزلل، وتبقى بعيدة عن الوعظ والتقريرية بُعدها عن الاستسلام للوضوح المجّاني الذي لا يُضمِر، ولا يحيل، ولا يقول إلا نفسه أو سطحه الوحيد الذي لا يخفي تحته أي عمق.
الكتاب (كل شيء عن الحب) صدر مؤخراً عن دار لوتس في سلطنة عمان ويتضمن 54 قصة قصيرة.

إضافة تعليق