حافة الحياة

حافة الحياة

ماري عربش

في فراش الغربة البارد تركت جسدي وحلّقت فوق المحيط بلهفة العشق لأعانق وطني
كلّ الأحلام تجمّعت وتراكمت وتكدّست
جاهدةً أحاول لجمها وهدهدتها
لكنّها وكلّما تدانت بيَ المسافات أراها تتدافع، تتقافز،ومن الزوايا الخفيّة تنفرن تتكشّف، تتوضّحن تهمس،  تصرخ تنشد تضحك تبكي ....
مالي وما للزمن وما حاجتي إليه !!!!


لا شكّ بأنّها سماء الوطن لأنّ نبض القلب يتسارع يتخبّط يهرول
.... لحظاتٌ .. صوتٌ مدوٍّ في أعماق الروح
ماذا جرى؟
لقد انفلتت خيول الأحلام وجمحت منعتقة من قيودها فوضويّة منطلقة في كلّ حدب وصوب محمومةً تبحث عن مستقرّاتها حيث وُلدت وترعرعت وكبرت ...
يا رب السموات والأرض ما الذي أجفلها؟
أهذا الركام المتعالي؟ أهذه الأسوار المتصاعدة المتهابطة؟
ومن هي هذه الوجوه الغريبة؟
وما هذه الأصوات الهجينة؟
ومن هم أصحاب تلك القسمات البائسة؟
وكأنّي أرى نفوساً تعرّت ونشرت فحيح سمومها


وما كنه هذه الخيوط المتشابكة والعقد الحانقة؟
ما هذا الفراغ الذي احتلّ الأمكنة؟
وهل للفراغ كيان؟
 أكاد أتلمّسه في كلّ موطئ قدم
ولماذا اقتحمني هذا البيت من الشعر
والمنايا مواثل .... ضبابيّة هي الرؤية
هل أخطأت الهبوط؟
أين هي الحدود؟
أين أنا؟
وهذا الجيش الغفير من الذكريات ما به واجماً حائراً تائهاً ضائعاً مرتبكاً؟
ورأسي ما الذي ينتابه
أدوارٌ به أم ثقلّ أم خواء؟
أين أسير؟ وكيف أتوجّه؟ أين سأحط الرحال؟

 كومضة برق وجدتني أحفر نفقاً في الزمن وألملم شظايا أحلامي المبعثرة وأهمس في أذنها: لا تخافي سنجتاز النفق ونصل إلى منبتنا
.

شعاع ضوء يتسرّب ... يكبر  ويكبر ...
ها نحن في وطننا الذي قصدناه،
جرس كنيسة يقرع ... صوت مئذنة يصدح
بيوت متآلفة تتعانق
سوق دكاكينها تتقارب
في أزقّة الطفولة ركضنا
في كل المنعطفات توقّفنا .. رائحة خبز التنور  اشتممنا .. ومن مياه قهوة السوق شربنا..
وعلى حافتي نهر حارتنا جلسنا.. وفِي جريان مائه أقدامنا غطسنا..شخاتيرنا الورقيّة فيه سيّرنا ..أغصان صفصافه المستحي داعبنا..
إنّه ( عليٌّ) إلى الغاطوس يسوق غنماته
قوّاك الله يا علي هكذا سلّمنا.. لكنّه بالحديث مع كلّ واحدة باسمها كان مشغولاً عنّا ..
كم من الأبواب القديمة قرعنا ...
ضحكات نساء الحيّ وثرثرتهنّ سمعنا..
وباحة مدرستنا الصغيرة زرنا...
ورداتها الحمراوات على جانبي نهرها، بعطرها انتشينا
ها هي الذكريات تنتعش بالود الذي ألفته والحب الذي عاشته
آهٍ كم كان العمر رخيّا.

 
صور مزركشة تتراقص، تتلاحق، راسمة حقول القمح، ومواسم الحصاد.
كروم العنب ومواسم القطاف،
بيادر السطاح لصنع الزبيب
مشاوير الصباح إلى الوديان والمزارع
نزهات المساء إلى بحيرة قرينا المسترخية بين الجبال المحاطة بالأشجار الظليلة
شختورتها التي نركبها لتتهادى فوق مياهها العذبة على أنغام عبد الوهاب (مسافرٌ زاده الخيال) وضو القمر يتسلل من بين الأغصان  ليضيئ صفحة المياه ويعكس قمم الجبال
أنّى لي أن أتوقّف والذكريات تتدفّق مسترسلة منتشية آمنة طربة
إنها محطتي الأخيرة
هناك فوق تلك التيجان التي تعلو جبال بلدتي هناك كنّا نستمتع برحلاتنا الكشفيّة
ننكش أرضها بحثاً عن الكمأة (الكمي)و ( القرصعان)
هناك حيث كنّا نرفع أيادينا ونقف على رؤوس أصابع أقدامنا الصغير  محولين تلمّس السماء
وبدافعٍ من غليان الحياة في خلايانا
وتدفّق الدماء في عروقنا   وتملّك الفرح لنفوسنا كنّا نتسابق في محاولات السير على حافة التاج الضيقة والمطلّة على الوادي الصخريّ السحيق
خطرٌ ما بعده خطر
لكنّنا نقدم عليه بملء إرادتنا واكتمال فرحتنا
والآن وقد حان وقت العودة لا بدّ من اجتياز النفق بالاتجاه المعاكس
وفِي نهايته وعند وصولي حيث هبطت
وجدتني أتساءل
هل قذفت الحرب بالكثيرين للسير على حافة الحياة مكرهين؟

وظلّ السؤال يدوّي في رأسي حتى عدت إلى فراش الغربة البارد
 هدأت أنفاسي المتلاحقة وسمعتني أهمس لا لأحدٍ
إن كانت ويلات الحرب قد قذفت بالكثيرين للسير على حافة الحياة في وطني
فهنا هنا. كلمة واحدة تسمعها تُشعرك أنك على حافة الحياة.

التعليقات

مستخدم غير معروف 2019-Mar-17

يبرود كم أنجبت .....ماري زينة ما أنجبت

مستخدم غير معروف 2019-Mar-16

ياالله مااروعك من ساردة للحياة اليبرودية بزمن الستينات وهو زمني الجميل كل كلمة وكل سطر من كلامك اعادني لتلك الأماكن الجميلة التي لم ندرك جمالها وروعتها إلا بعد ان توارت دمتِ لنا يامن اسميتك سيدة الكلمات😘❤️

إضافة تعليق