عفواً أيها القانون

عفواً أيها القانون

د. لمياء عاصي
كانت سورية  من أوائل الدول العربية التي أصدرت قانون منحت المرأة  بموجبه  حق الانتخاب والترشيح  في عام 1953 , الآن وبعد عقود طويلة , لم تحرز المرأة السورية الكثير من تغيير البنية القانونية التي ما زالت تمييزية ضدها , وتجعل  سورية في ذيل القائمة في حقوق المرأة بعد أن كانت في صدارتها , فمثلا بالنسبة لقانون أن الأم تمنح أولادها جنسيتها , أصبح القانون نافذا  في  كل من  تونس , مصر , الجزائر  , المغرب , العراق , وهناك مشاريع قوانين مقدمة ونقاشات وجدل في كل من لبنان , والأردن ,  بينما الأم السورية لا زالت غير قادرة أن تمنح الجنسية لأطفالها  !!   , ورغم أن التعديلات الأخيرة على قانون الأحوال الشخصية تمثل خطوة إيجابية في الطريق الصحيح , والسؤال المهم هنا , هل هذه التعديلات ... تمثل طموح المرأة السورية  وما كانت ما تنتظره  ؟؟؟.  
قبل الإجابة على هذا السؤال  , لا بد من  ذكر أهم المسائل التمييزية بين الرجل والمرأة  في القوانين السورية  وهي :
1.    الجنسية يمنحها الأب لأولاده ولا حق للأم  السورية لإعطاء الجنسية لأطفالها .
2.    الزواج المتعدد أن الرجل يحق له أن يتزوج بأكثر من إمرأة  حتى أربعة .
3.    شهادة المرأة التي تعتبر في قانون الأحوال الشخصية تساوي شهادة نصف رجل .
4.    عدم المساواة  في  الميراث حيث تعطى المرأة نصف حصة الذكر.
5.     المادة  548 في قانون العقوبات,  التي تمنح القاتل إمكانية الاستفادة من العذر المخفف لأحد الأصول أو الفروع  للمرأة التي تقتل بدافع الشرف .
6.    لا تستطيع المرأة  المسلمة بأن تتزوج من غير المسلم أسوة بالرجل الذي يستطيع الزواج من غير المسلمة ,  دون أن يكون بحاجة إلى يسلم  ليستطيع الزواج .
ما سبق ذكره , يمثل أهم النقاط التي تعتبر تمييزية ضد المرأة  وليست جميعها , ومن الجدير بالذكر بأن قانون الأحوال الشخصية  الحالي  مستمد من قراءات وفتاوي بعض الإئمة والفقهاء المسلمين القدماء , وما كان معمولا به في  المحاكم العصملية القديمة , مع أن تركيا ومنذ 1926 , طبقت القانون المدني الذي يساوي في الإرث بين الذكر والأنثى , كما صدر  قانون منع تعدد الزوجات  وتجريم من تثبت إدانته ومعاقبته بالحبس لمدة  قد تصل إلى خمس سنوات , أما  تونس , فهي الدولة العربية الوحيدة التي أصدرت  قانون منع تعدد الزوجات , وحديثا , أقرت قانون المساواة في الإرث وحق المرأة الزواج بغير المسلم  .
إن قانون الأحوال الشخصية بشكله الحالي ,  لا  يساير تطور وتعقد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية في سورية ,ولكن المدافعين عنه  يبررون ذلك بأنه يراعي أحكام الشريعة الإسلامية ويريدون إبقاءه دون أي تغيير , والمعروف تاريخيا , أن رجال الدين لهم مواقف وقراءات مختلفة  , و يمكن أن يغيروا مواقفهم من القضايا  بحسب الظروف , فمثلا :  رجال الدين في جامع الزيتونة في تونس , ساعدوا في إبجاد التفسير أو القراءة الدينية التي أدت إلى منع تعدد الزوجات , وحديثا وافقوا على موضوع تساوي الإرث بين الرجل والمرأة وزواج المسلمة من غير المسلم , أما في السعودية , ولوقت طويل قال رجال الدين  بأن المرأة لا يجوز أن تقود السيارة , ولكن عندما صدر القانون الخاص  بالسماح للمرأة السعودية  بالقيادة , التزم البعض الصمت  وكثيرون منهم استفاضوا في شرح الفوائد الجمة لقيادة المرأة السيارة .
صادقت الحكومة السورية وقبلت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو ) بتاريخ 28 آذار عام 2003 ,ولكنها تحفظت على مواد معينة , وهي المواد التي تتطلب تعديل قوانين الأحوال الشخصية والإرث والعقوبات و قوانين تمييزية أخرى  مما أفرغها من محتواها , إن جل ما تطمح إليه المرأة السورية , أن تقوم الدولة بسحب تحفظاتها على اتفاقية (سيداو )  , وأن تقوم بتعديل قانون الأحوال الشخصية , والجنسية , وقانون العقوبات وفق مواد الإتفاقية التي تنص على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل , في عقد الزواج وفسخه أو الطلاق والمشاركة في أموال الأسرة ,  بما ينسجم مع واقع المرأة السورية وماوصلت إليه من تعليم ومشاركة في الحياة العملية وتطور وتغير  طبيعة العلاقات الإنسانية والاقتصادية بين الأفراد في سورية  .
 ربما فكرة وجود قانونين  تبدو غريبة  ...!!! ولكنها قد تكون حل مؤقتاً , ويساعد على حسم الجدل بين المتدينين أو الذكوريين وبين الذين يريدون قانوناً مدنيًا قائم على المساواة بين الذكر والأنثى ,  لماذا لا يختار أي شخص أحد  القانونين  الشرعي  أو المدني ؟؟؟ , وتكون المرجعية اختيارية , فمثلاً , عند الزواج  يتفق الرجل والمرأة على القانون المرجعي , فإما يتم اختيار القانون المدني , حيث المساواة بين الرجل والمرأة من حيث المبدأ في إنشاء عقد الزواج   والمشاركة في  أموال الأسرة والإنفاق وعدم تعدد الزوجات والميراث وكثير من الأمور الأخرى ,أو القانون الشرعي  حيث تبقى الأحكام الحالية على حالها .
الأمر الذي يثير تساؤل  الرجل والمرأة على حد سواء ... هل سنبقى محكومين لقراءات معينة لنصوص دينية قام بها فقهاء في أزمنة قديمة لمجتمع مختلف ؟؟  والقيام بتعديلات طفيفة تنتج حلولا مجتزأة , أو أننا قادرين على إعادة النظر بقوانينا بقراءات  مختلفة وعميقة للنصوص التي نتمسك بها  ,  يكمن الحل الجذري , في تعديلات جوهرية تستند إلى الدستور السوري لعام 2012 الذي ينص : ( المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ) .... أو أننا سنبقى نشعر بالأسى ليوم الدين ... وعفوا أيها القانون .  
 

 

إضافة تعليق