ماركس الذي كتب "رأس المال" وجيوبه خاوية!

ماركس الذي كتب "رأس المال" وجيوبه خاوية!

خليل صويلح 

توقّع الصحافي والكاتب البريطاني فرانسيس وين في كتابه المثير "رأس المال سيرة"(دار فواصل، ترجمة ثائر ديب)، بأنّ كارل ماركس (1818 ــــ 1883) سيغدو المفكر الأشدّ نفوذاً في القرن الحادي والعشرين. هذه النبوءة لها مبرراتها، كما يقول، فالرأسمالية تترنّح أمام وحش العولمة، ذلك أنّ نظريّة العرض والطلب التي هي جوهر النظام الرأسمالي، لم تعد صالحةً تماماً، والخطر ليس من الشيوعية هذه المرّة، بل من "أصولية السوق". لكنّ "وكيل الشيطان" سرعان ما راح يكتسب معجبين جدداً، وهو ما جعل الاقتصادي اليميني جود وانيسكي يكتب في عام 1994: "لا ينبغي أن نسارع إلى تهنئة أنفسنا على هزيمة ماركس"، مستشهداً بـ"رأس المال" بوصفه مصدر الإلهام الأساسي لنظريّته "اقتصاد العرض"، وقوامها أنّ الإنتاج وليس الطلب هو مفتاح الازدهار. إذ إنّ ماركس أشار مثل عرّاف إلى أنّ الرأسمالية بذرت بذور دمارها بقوله "إذا ما كانت الرأسمالية تقتضي التنافس، فإننا إزاء نظام غير قادر على البقاء أصلاً، شأنه شأن البهائم التي تلتهم صغارها".

منظّرو "نهاية التاريخ" (فرانسيس فوكوياما وأتباعه)، لم يصمدوا طويلاً أمام الأزمات الرأسمالية المتسارعة والمتلاحقة، وها هي الـ"فايننشال تايمز" تتساءل - في مقالة بعنوان "عودة إلى رأس المال" - إذا كنّا قد انتقلنا "من انتصار الرأسمالية العالمية إلى أزمتها خلال عقد وحسب"، بعد هلع السوق في أرجاء العالم من هزّات اقتصادية متلاحقة.

الكتاب الذي ينعى الرأسمالية، والذي ألهم الثورات في أرجاء العالم، منذ صدوره عام 1867، يلقى اليوم اهتماماً لافتاً في أوساط المفكرين الجدد. وكان الفيلسوف الفرنسي الماركسي لوي ألتوسر (1918 ــ 1990) قد أعلن يوماً: "لقد قرأنا - رأس المال- جميعاً. وعلى مدى قرن، كان بمقدورنا أن نقرأه كل يوم، على نحو شفاف، في احتدامات تاريخنا وأحلامه، في نزاعاته وصراعاته، في هزائم وانتصارات حركة العمال التي هي أملنا الوحيد ومصيرنا. غير أنه من الأساسي في يوم ما، أن نقرأ "رأس المال" بالمعنى الحرفي، أن نقرأ النص ذاته". لكن ألتوسر اختزل مؤلّف ماركس المرجعي، إلى عمل علمي محض لا تشوبه أي شائبة "هيغلية"، وإذا بالماركسية مجرد نظرية بنيوية، منفصلة عن السياسة والتاريخ والتجربة. وسيكتشف جون كاسيدي، المراسل الاقتصادي لصحيفة الـ"نيويوركر" الذي قرأ ماركس متأخراً، أنّ صاحب "رأس المال" كتب "مقاطع لافتة عن العولمة، وانعدام المساواة، والفساد السياسي، والاحتكار، والتقدّم التقني، وانحلال الثقافة الرفيعة. وهي قضايا راح الاقتصاديون يواجهونها مجدداً، من دون أن يدركوا في بعض الأحيان أنهم يسيرون في أعقاب ماركس"! أكثر من ذلك، يعترف مصرفي بريطاني يعمل في نيويورك: "كلما طال بي الوقت، في وول ستريت، كنت ازداد اقتناعاً، بأن ماركس على حق".

في سيرة "رأس المال"، يقتفي فرانسيس وين أثر الحياة الشخصية لماركس، وهو يضع اللمسات الأخيرة على تحفته الخفية، وقلقه من عدم اكتمال تأملاته الفلسفية. فقد كان الرجل حداثياً وراديكالياً "جاور بين أصوات ومقتبسات من الأسطورة والأدب"، فكان الكتاب لوحة "ديكنزية" ترسم الكفاح الذي خاضه ماركس على مدى عشرين عاماً، بغية إتمام رائعته، وسط ظروف قاسية، وحيرة محتدمة بين الأدب والفلسفة. وبغتةً، اكتشف أنّ أرض الشعر الحقيقية، تكمن في الاقتصاد السياسي. ولعل نظرة متفحصة إلى نصوص رأس المال، ستحيل إلى "كولاج" ضخم من المرجعيات الأدبية، من بلزاك وأزرا باوند... إلى كابوسية كافكا.

أما عن مراسلات ماركس مع إنغلز، فإن إلحاح الأخير على إنجاز المجلّد الأول من "رأس المال" لم يفلح إلا بعد عقدين. هكذا كان على أنغلز أن يجمع مسوّدات ماركس وينشرها بعد وفاته. أفرج ماركس عن مخطوطته الأولى التي بلغت 1200 صفحة، بعد 12 عاماً من التمحيص والانتظار، وإذا بها فوضى مثقلة بالتشطيب والخربشة التي لا سبيل إلى فكّ مغاليقها، فجلس لينجز نسخة نظيفة خالية من العيوب، متجاهلاً آلامه وديونه، فقد كان ماركس مثقفاً بوهيمياً حقيقياً، كتب عن المال وهو مفلس تماماً، في شقّة من غرفتين: "لا أستطيع الخروج من المنزل لأنني رهنت معطفي لتسديد بعض الديون" يجيب في رسالة لإنغلز، ويقول في مكان آخر متهكماً: "لا أحسب أن أحداً قبلي على الإطلاق، كتب عن النقود وجيوبه خاوية إلى هذا الحد".

هكذا، تفجّرت النظرية الماركسية في مختلف أنحاء العالم لتغيّر مجرى التاريخ. ومن المفارقة أنّ الشرارة الأولى للشيوعية انطلقت من روسيا. فيما تجاهل ماركس المجتمع الروسي، باعتباره مجتمعاً زراعياً إقطاعياً لا مكان فيه للبروليتاريا. لكنّ نفاد ثلاثة آلاف نسخة من "رأس المال" خلال عام واحد، كان كفيلاً بنشر أفكاره كالنار في الهشيم. وإذا بالثورة البلشفية تجعل من هذا الكتاب وثيقةً مقدّسةً. لكن انحراف الماركسية باتجاهات لم يرغبها ماركس نفسه جعله يعلّق بأسى: "كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسياً"، ذلك أنّ النظرية التي كتبها لم تكن إيديولوجيا بقدر ما كانت عملية نقدية ومحاججة ديالكتيكية.

من مثاليّة هيغل إلى المادية الجدلية، رحلةٌ طويلة قطعها ماركس بالمثابرة والقراءة والتأمل، ليكتب فلسفته الخاصة: "لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بشتى الطرق، والمهم هو تغييره".

 كان ماركس الشاب يحفظ مقاطع كاملة عن ظهر قلب من فولتير وروسو. وفي نزهاته الطويلة مع والد زوجته فون ويستفاين، كان يتلو مشاهد من هوميروس وشكسبير ودانتي وغوته، وستكون لاحقاً توابل أساسية في كتاباته، ولطالما كان يردد خطبة من"أنتيغون" سوفوكليس "المال أسوأ ما اخترعه الإنسان، ذلك ما يخرّب المدن، ويطرد البشر من بيوتهم، ويفسد الأنفس النبيلة ويغويها إلى طريق العار".
أفكار ماركس ما زالت صالحة للتداول وربما ازدادت الحاجة إليها اليوم، يؤكد فرنسيس وين، ذلك أنّ الرأسمالية، مهما كانت انتصاراتها مجيدة وعظيمة، تبقى كارثة حسب ما يقوله ماركس "لأنها تحوّل البشر إلى سلعٍ، يمكن مبادلتها بسواها من السلع. وإلى أن يتمكّن البشر من تحقيق أنفسهم بوصفهم ذوات التاريخ لا موضوعاته، لا يمكن أن يكون ثمة مفرّ من هذا الطغيان".

كتب أحد جواسيس الشرطة البروسية إلى أسياده في برلين بعد أن نجح في دخول الشقّة أنّ ماركس "يعيش حياة مثقّف بوهيميّ حقيقي ... وعلى الرغم من أنّه غالباً ما يتكاسل لأيام, فإنّه يعمل مواصلاً الليل بالنهار من دون كلل أو ملل عندما يكون لديه قدر كبير من العمل الذي ينبغي إنجازه. ليست لديه مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ. وغالباً ما يسهر الليل كلّه, ثمّ يرقد بكامل ثيابه على أريكة عند منتصف النهار وينام حتى العشاء, من دون أن تزعجه جلبة الدنيا بأكملها"

والحال، يمكننا أن نختزل مأساة ماركس بأنه كان يمتلك رأساً، وكان الآخرون يمتلكون المال!

التعليقات

علاء بريك 2019-Feb-18

لم يكن ماركس أورومركزي يا أستاذ صويلح كما يظهر من الإشارة إلى تهميشه روسيا والمجتمعات غير المتقدمة صناعياً، على العكس فهو درس الهند وإنجلز تناول الجزائر وكان هناك محاولة في آخر حياتهما لتوسيع التحليل والنظرية لتتناول مشاهدات/بلدان جديدة لاختبار النظرية وتطويرها، تُظهر المراسلات أن تحليل ماركس هو تحليل تاريخي مرتبط بنطاق محدد (مكاني: إنكلترا-زماني: القرن التاسع عشر) ويقول في إحدى مراسلاته معلقاً على النسخة الروسية بأن المترجم أراد تحويل كتابه إلى دوغما تصلح للتطبيق في كل مكان وزمان، في حين أن العمل هو تحليل علمي لظاهرة محددة مكانياً وزمانياً، أي تحليل شرطي، وفي حين كانت الثورة البولشفية ثورة على رأس المال وتغييراً فعلياً للعالم فهي فعلاً لم تقدس الكتاب بل كانت ثورة عليه بتعابير غرامشي ولكن مآلات الثورة شيء آخر. بالعموم يمكن مراجعة مراسلات ماركس وفيرا زازوليتش في العام 1881 لتفاصيل أكثر حول النقطة الأولى والرابط أدناه يحوي بعض الشروحات كون موقع الأرشيف الماركسي قد حجب المراسلة الأصلية. https://understandingsociety.blogspot.com/2010/04/marx-on-russia.html

ياسين 2018-Dec-21

مقال دسم وعميق كفكر كاتبه

إضافة تعليق